د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
أتحفتني ابنتي بدور حفظها الله بنسخة من كتيب أصدرته (الهيئة العامة للغذاء والدواء) عنوانه (قربهم من الخطر حمانا منه: من الميدان تبدأ الحكاية)، ويقع في 75صفحة من القطع الصغير. وهو كتاب في أصله تقارير كتبت عن حملة متابعة ورصد، جنودها متخصصون مدربون من أعضاء الهيأة المكلفة أمر سلامة الغذاء والدواء في بلادنا المباركة، وإنما هي تقارير؛ ولكنها صارت بيد صناع حكايات أدبية مدهشة بواقع مضمونها وبجمال أسلوبها وبتماسك نسجها، فارقت إملال التقارير إلى رونق الأدب وجمال الأسلوب.
ضم الكتاب (34) حكاية صدّرت بكلمة للرئيس التنفيذي للهيئة العامة للغذاء والدواء جاء فيها قوله «ومن قلب هذا العمل تأتي القصص التي يضمها هذا الإصدار، قصص وُلدت في موقع التفتيش والضبط وتعكس طبيعة الممارسة الرقابية كما تتجلى في الميدان بما تحمله من مسؤولية ودقة ويقظة مهنية» ص3.
وقدمت كاتبة الحكايات الأستاذة بُدور بنت إبراهيم الشمسان بما يأتي:
«تصل الحكايات من الميدان محملة بما عاشته لحظاتها، روايات يقدمها أصحابها كما جرت بين أروقة منشأة أو خلف باب مستودع أو عند رفٍّ قال ما يكفي لمن اعتاد قراءة التفاصيل.
مفتشو الهيئة العامة للغذاء والدواء نقلوا تلك الوقائع كما شهدوها في جولات التفتيش والضبط، لحظات يتقدم فيها الانتباه وتتكشف فيها دلالة التفصيل الصغير، ويظهر أثر اليقظة التي تحرس سلامة الغذاء والدواء في حياة المجتمع.
من تلك الروايات ولدت هذه القصص..
الكلمات الأولى جاءت من الميدان، ومنها استعيدت المشاهد وصيغت الحكايات لتبقى أثرًا مكتوبًا لتجربة مهنية تستحق أن تروى.
كل قصة هنا تحمل صوت من عاشها أوّلًا، قصص نجاح تشكلت في مواقع العمل، حيث تتحول الخبرة إلى فعل يقظ يمنح المجتمع طمأنينته دون ضجيج.
يأتي هذا العمل امتنانًا لمن نقلوا تلك اللحظات كما كانت، واعتزازًا بقصص يحق للميدان أن يفخر بها».
ما يلفت الانتباه في هذه الحكايات أن لها عنوانًا يزوي لك بذكاء مضمون الحكاية، وأن لها توقيعًا يضيء لك العبرة فيها، فمثلًا حكاية (الروبيان مرتين) هو روبيان يجمد ثم يفكّ تجميده ليعرض على الناس بزعم أنه طازج. ثم يأتي التوقيع «وأثبتوا أن كلّ قناع للغش، مهما بدا متماسكًا، سيسقط أمام أعين ساهرة جعلت من حماية المجتمع عهدًا لا يُخترق».
من نماذج الحكايات (سواد القلعة) ص41، تقول الحكاية: «ليل تبوك في حيّ القلعة كان يخيم عليه سكون ثقيل خلف الأسوار العالية، مستودعات صامتة تبدو بلا حياة، لكن عيون ثلاثة رجال كانت تراقب المشهد لخمسة أيام متتالية .. معيض البلوي، ريّان أبو العلاء وأنس قاعود. كل دخول لشاحنة كل انطفاء لمصباح، كان يُسجل.. الزمن يمر ببطء، والشك يتضاعف.
اللحظة الحاسمة جاءت، إذن النيابة في اليد وضباط الميدان في الموعد. الباب الحديدي يفتح بالقوة، صوته يدوي في المكان ويكسر صمت الحي.
الأنفاس محبوسة، والأنظار مشدودة إلى الداخل.
الصدمة لم تحتج إلى تفسير.. أكثر من 2000 عبوة من منتجات التجميل مكدسة في حرارة خانقة ومخالفة لكل اشتراطات التخزين.. رائحة المكان تثقل الهواء، والعبوات تتحول من مجرد مستحضرات إلى دلائل إدانة صامتة.
صاحب المستودع حضر، متعاونًا؛ لكنه يواجه مشهدًا أصعب من أن ينكر.
الوثائق جاهزة الصور موثقة، والفريق يحسم قراره .. فالتحريز يتم والأختام توضع والموقع يُغلق في لحظة نهائية».
انتهت الحكاية وختمت بالتوقيع:
«المشهد انتهى كما بدأ، حي هادئ.. لكن خلف صمته قصة ضبطية كاملة كتبها ثلاثة رجال حولوا بلاغًا بسيطًا إلى خيطِ كشفِ مستودعٍ مخالفٍ بحزم لا يعرف التردد».
أنا على ثقة أن من تتاح له قراءة هذه الحكايات سيستمتع بجمال سبكها وروعة بيانها؛ ولكنه آخر الأمر سيسعد بأنه في مجتمع محوط بعناية بجنود شرفاء من أبنائه رجالًا ونساءًا، وحُقّ للوطن أن يفخر بمثل هؤلاء، وشكرًا للهيئة التي سعت إلى إبراز جهدهم الْمُورِق في هذا الإطار الْمُونِق.