أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
يُشكّل التحكيم العلمي دعامة رئيسة يقوم عليها البناء المعرفي المعاصر في الجامعات والمؤسسات البحثية، إذ يمثل الآلية المركزية التي تُقوَّم من خلالها البحوث العلمية قبل نشرها أو اعتمادها ضمن الأوساط الأكاديمية بهدف الترقية أو الدعم البحثي، أو المنح المدعومة مادياً، أو المشاركة المجتمعية الهادفة، وعادة لا يقتصر التحكيم على فحص الجوانب الشكلية أو المنهجية للدراسات، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في حماية جودة المعرفة المنتجة، وصيانة مصداقية المؤسسات العلمية، وتعزيز الثقة في مخرجات البحث العلمي، خاصة أن تلك الأبحاث تُنسب إليها، وتُقاس الجامعات بمقدار جودتها العلمية، ومخرجاتها البحثية، غير أن هذا التأثير المحوري يظل مرهونًا بمدى التزام المسؤولين في عملية التحكيم، وعلى رأسهم المحكّمون وهيئات التحرير والجهات العلمية المشرفة، والمجالس العلمية في الجامعات، وكذلك إدارة الجامعات وفريقها القانوني بمبادئ النزاهة العلمية التي تضمن الموضوعية، والعدالة، والشفافية، والاستقلالية، وتكافؤ الفرص بين الباحثين، واختيار المحكمين ذوي الخبرة في التخصص العلمي (الدقيق) ، ممن عُهد عنهم الإنصاف، والأمانة، وخدمة العلم وأهله، والبعد (الجاد) عن التحيز أو المجاملة، والاعتذار حين يبدو أن هناك تعارضاً في المصالح، لأن هذا السلوك يُعد إدراكاً من المحكِّم لحدود موضوعيته، وصوناً لثقة الجامعة في ترشيحه، والتزاماً منه بمبدأ الشفافية.
وأشير -هنا- إلى أن النزاهة العلمية في التحكيم لم تعد مسألة أخلاقية فردية مرتبطة بضمير المحكّم وحده، بل شكّلت قضية مؤسسية وهيكلية تستدعي تأطيراً تنظيمياً واضحاً، وآليات إجرائية دقيقة، ومعايير مهنية قابلة للقياس والتطبيق، فمع تزايد النشر العلمي، وتوسع المجلات المحكمة، وتنامي الضغوط المرتبطة بالإنتاج الأكاديمي والترقيات داخل أروقة الجامعات، وبواعث التصنيف العالمي المرتبطة بجودة (المنشور) وكفاءته، وسلامة إجراءات تحكيمه، برزت جملة من التحديات التي قد تؤثر في سلامة عملية التحكيم، من قبيل تضارب المصالح، والتحيز (الواعي أو الضمني)، والتفاوت في فهم معايير التقييم، وضعف التأهيل الأخلاقي لبعض المحكّمين، وغياب الشفافية في بعض مراحل اتخاذ القرار العلمي، ومن -هنا- تأتي أهمية الحديث في مسألة واقع النزاهة العلمية داخل منظومة التحكيم، والكشف عن التوتر القائم بين المبدأ الأخلاقي والممارسة الفعلية، والمعايير التي تقرها الجامعات، أو المجلات العلمية (النظامية)، خاصة إذا وضعنا في الأذهان اضطراب تلك المعايير، أو لنقل تطويرها غير الممنهج، وخضوعها أحياناً لاجتهادات فردية ربما تكون غير متخصصة في المجال الأكاديمي والبحثي، مما يجعل الباب مُشرعاً أمام التأويلات المتناقضة، والتقييمات غير الموضوعية، وتباين النتائج بين الجامعات والمؤسسات البحثية.
ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين نزاهة التحكيم وجودة النشر العلمي (طرداً وعكساً)، وأن للنزاهة تأثيراً مباشراً في ترسيخ العدالة المعرفية وصيانة الثقة في المجتمع الأكاديمي، لا سيّما حين تعمد الجامعات إلى طرائق بديلة أكثر إبانة وشفافية، أو تفصح عن سلوكيات تنظيمية تُركز -مثلاً- على التحكيم المفتوح، والتصريح الإلزامي بتضارب المصالح، ووضع مدونات وقوانين واضحة للمحكّمين، واعتماد برامج تدريبية متخصصة في أخلاقيات التحكيم.
إنَّ النزاهة العلمية في التحكيم لا تتحقق فقط من خلال إعلان مبادئ عامة، بل تستلزم بيئة تنظيمية قادرة على تحويل تلك المبادئ إلى ممارسات مؤسسية ملزمة، فالموضوعية-مثلاً-لا يمكن ضمانها ما لم تُدعَم بمعايير تقييم مضبوطة ومعلنة، والشفافية لا تكون فاعلة ما لم تُفصح عن إجراءات واضحة في اختيار المحكّمين، وتبرير القرارات، وإدارة الاعتراضات، ومعالجة حالات التعارض أو الانحياز، وينبغي أن تُفهم السرية في جميع مجريات التحكيم (الترشيح، والاستبعاد، والتخصص الدقيق، والخبرة، والإعلان، والنقض) بوصفها مبدأ عميق التأثير في التحكيم في حدود ما يخدم نزاهة العملية، لا أن تتحول إلى غطاء لقرارات غير مفسرة أو لممارسات تفتقر إلى المساءلة.
ولا يمكن الحكم على (الوقائع) التي تمس نزاهة التحكيم (قبولاً أو رفضاً) بأنها صادرة عن سوء نية في الغالب، بل قد تكون نتاجاً لغياب التأطير، أو اضطراب المعايير، أو ضعف الوعي بأخلاقيات التقييم العلمي، أو الخطأ في الترشيح، أو الاعتماد على التخصص العام للمرشح، دون النظر في تخصصه الدقيق، لذلك فإن إصلاح منظومة التحكيم لا ينبغي أن يُبنى على منطق الاتهام، بل على منطق التطوير المؤسسي الذي يدمج بين التكوين، والتقنين، والتقويم، والمساءلة، ووضع الضوابط الصارمة لاختيار المحكمين والفاحصين، فهي أمورٌ علمية (صِرفة)، لا تخضع لمنطق الهبة أو المجاملة، أو (البِر).
ولذا فإنّ ضبط قوانين النزاهة ا لعلمية تمثل قراراً أكاديمياً واعياً لا غنى عنه، من خلال إعداد مواثيق أخلاقية ملزمة، وتطوير أدلة إجرائية للمحكّمين، والتأكيد على الإفصاح عن المصالح المتقاطعة، وإرساء آليات للتظلم والمراجعة، وتقييم أداء المحكّمين بشكل دوري، بما يضمن الارتقاء بجودة التحكيم وعدالته، ولا مانع من وضع قوائم معتمدة لمخالفات التحكيم، أو الإفصاح -ولو بشكل غير مباشر- عن اضطرابات المحكمين، وخلل النزاهة، خاصة ما يتعلق بمسائل التأثير في اختيار المحكمين بغرض المجاملة أو الإضرار، وحين نضع النزاهة في التحكيم العلمي على المحك فإننا نفترض توافر منظومةٍ من المعايير الموضوعية الصارمة، بما يضمن تقييم الأعمال البحثية بمعزلٍ عن التأثيرات الشخصية أو المؤسسية (التوصيات الداخلية أو الخارجية)، كما نفترض التزامًا أخلاقيًا راسخًا يوجّه عملية التحكيم نحو تعزيز جودة المعرفة العلمية، من خلال تقويم منهجي دقيق يستند إلى سلامة المنهج، وأصالة الإسهام، ودقّة النتائج، بهدف ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف في تقويم الإنتاج العلمي.
أعود في ختام هذا المقال إلى التأكيد بأن مستقبل التحكيم العلمي، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها مجال النشر الأكاديمي، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة المؤسسات العلمية على الانتقال من الاعتماد على الأخلاق الفردية وحدها إلى بناء ثقافة تنظيمية راسخة للنزاهة، فكلما كانت قواعد التحكيم أكثر وضوحًا، وآلياته أكثر شفافية، وممارساته أكثر خضوعًا للتقويم والمساءلة، ازدادت ثقة الباحثين في عدالة النظام الأكاديمي، وتعززت قيمة المعرفة العلمية بوصفها نتاجًا موضوعيًا ومنصفًا، ومن ثَمَّ فإن تعزيز النزاهة العلمية في التحكيم ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو ضرورة معرفية ومؤسسية لضمان جودة البحث العلمي واستدامة مشروعيته داخل المجتمع العلمي، والنطاق الأكاديمي، ويعكس رقي الجامعات وتطورها، ومؤشراً فاعلاً على الحيوية الفكرية والإنتاج المعرفي الرصين، كما يُسهم في تعزيز مكانتها في التصنيفات العالمية المعتمدة على التميز لا التراكم.