أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
في صباحٍ يفتح على زرقة الأطلسي، بدت مدينة (الجديدة) كأنها تتهيأ لاستقبال يومٍ مختلف، يومٍ تجتمع فيه اللغة مع التقنية، والبلاغة مع أسئلة العصر، مدينة هادئة، تمتد على البحر، وتحتفظ بإيقاع خاص يجعل الزائر يشعر أنه دخل مساحة أرحب من الزمن، حيث تتباطأ الخطوات، وتصفو الرؤية، الطريق إليها من الدار البيضاء يمرّ عبر مشاهد تتدرج بين العمران والامتداد الطبيعي، حتى يصل المسافر إلى مدينة تختار البساطة وتُحسنها.
في هذا الأفق انعقد مؤتمر (البلاغة والذكاء الاصطناعي: حدود الإقناع وأفق التلقي) صباح يوم الاثنين 20 أبريل 2026م، بتنظيمٍ علمي محكم، أشرف عليه مركز القاضي عياض للعلوم الإنسانية والدراسات القانونية بمراكش، بالشراكة مع مختبر البحث في علوم اللغة والخطاب والدراسات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، وقد حملت إدارة المؤتمر بصمة واضحة للدكتورة وردة البرطيع، التي أحاطت المشاركين بعناية دقيقة، وجعلت من التفاصيل الصغيرة جزءًا من التجربة العلمية والإنسانية معًا.
منذ اللحظة الأولى بدا أن المؤتمر لا يكتفي بعرض الأوراق، بل يسعى إلى خلق حوار حيّ بين الباحثين، تنوعت المداخلات، وتوزعت على محاور متعددة تمسّ صلب العلاقة بين البلاغة والتقنيات الحديثة، فحضرت أسئلة الإقناع، وتحوّلات الخطاب، وأثر الذكاء الاصطناعي في تشكيل أنماط جديدة من التلقي، هذا التنوع أضفى على الجلسات حيوية لافتة، وجعل كل ورقة تفتح أفقًا يتصل بما قبلها، ويمتد لما بعدها، وقد حرصت الجهة المنظمة على توثيق هذا الجهد العلمي، فتم توزيع السجل العلمي الكامل لأبحاث المؤتمر، إلى جانب إهداءات قيّمة تمثلت في سجلات علمية لمؤتمرات سابقة، وهو ما يعكس عناية راسخة بتراكم المعرفة واستمراريتها.
وفي هذا السياق جاءت مشاركتي ببحثٍ بعنوان (البُعد الشعوري في الخطاب الإقناعي للذكاء الاصطناعي: مقاربة بلاغية أخلاقية)، محاولة للاقتراب من منطقة دقيقة في هذا الحقل، حيث يتقاطع التأثير العاطفي مع الاعتبارات الأخلاقية، وقد أتاح النقاش الذي تلى العرض مساحةً غنيةً لتبادل الرؤى، وأسهم في توسيع زاوية النظر إلى الموضوع، خاصة في ظل حضور باحثين من جامعات مغربية مختلفة، جمعهم اهتمام مشترك، واختلفت خلفياتهم المعرفية بما أغنى الحوار، وقد حظيتُ بعد ذلك بثقة منظمي المؤتمر، فشرّفوني برئاسة عدد من الجلسات العلمية، وهي مسؤولية علمية أعتز بها، لما تتيحه من متابعة أدق للمداخلات، وإدارة للحوار بين الباحثين، في أجواء علمية راقية.
كان لافتًا في هذه التجربة أنني حضرتُ ممثّلًا للمملكة العربية السعودية، من خلال جامعتي العريقة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثلة في كلية اللغة العربية، وهو حضور استُقبل باهتمام وتقدير من الزملاء المشاركين، إذ تعددت الأسئلة حول الجامعة، وبرامجها، ومساراتها العلمية، وكان في هذا الحوار ما يعكس تقديرًا صادقًا للجهود العلمية في وطني، واحتفاءً يتجاوز المجاملة إلى معرفة حقيقية ورغبة في التواصل.
وخارج قاعة الجلسات استمرت الروح نفسها، فترات الاستراحة تحوّلت إلى مجالس علمية غير رسمية، يتبادل فيها الباحثون الأفكار في أجواء أكثر هدوءًا، ويتقاربون على المستوى الإنساني كما تقاربوا في الطرح العلمي، وقد كان لتنظيم وجبة الغداء بين الجلسات أثر جميل في تعزيز هذا القرب، حيث اجتمع الحضور حول مائدة واحدة، وتواصل الحوار في سياق مختلف، يختلط فيه العلمي بالودي، وتظهر فيه ملامح الثقافة المغربية بما تحمله من كرم ودفء.
رافقني في هذه الرحلة العلمية الجميلة الزميل في القسم، سعادة الدكتور منصور بن عمر السحيباني، الذي حضر المؤتمر وشارك في تفاصيله، فكان الرفيق الذي تضاعفت معه متعة التجربة، إذ منحها بُعدًا إنسانيًا إضافيًا، وكان حضوره سندًا كريمًا في تيسير كثير من تفاصيل الرحلة، مما أضفى عليها سلاسة وراحة انعكست على مجمل التجربة، واتسمت مرافقته بروح طيبة وتعاون صادق، فكان لذلك أثر واضح في إنجاح هذه المشاركة على المستوى الإنساني والعلمي معًا.
ومع انتهاء الجلسات امتدت الرحلة خارج أسوار الجامعة، لنعيش أجواء المغرب في هذا الفصل المعتدل من السنة، فشوارع (الدار البيضاء) تحمل نبض المدينة الكبرى، فيما تحتفظ (الجديدة) بسكونها البحري، ويمنح الشاطئ مساحةً للتأمل، حيث يلتقي الأفق بالماء في مشهد يترك أثرًا هادئًا في النفس.
كانت تجربة التذوق جزءًا من الرحلة أيضًا؛ فالمطبخ المغربي يقدّم نفسه بثقة، ويجمع بين التنوع والخصوصية، في أطباق تحمل نكهة المكان وتاريخه، وفي هذه التفاصيل الصغيرة تتكامل صورة الرحلة، حيث لا تنفصل المعرفة عن العيش، ولا ينفصل البحث عن التجربة.
حين تعود الذاكرة إلى هذه المشاركة، تتقاطع فيها صور متعددة: قاعة علمية نابضة بالحوار، مدينة تحتفي بالبحر، وجوه باحثين يحملون شغف المعرفة، ولحظات إنسانية تُبنى على التقدير والاحترام، وفي قلب هذه الصور يظل الامتنان حاضرًا لوطني المملكة العربية السعودية، ولجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، التي أتاحت لنا هذه الفرصة، وجعلت من هذه المشاركة امتدادًا لمسار علمي يرتبط بالمؤسسة وينفتح على العالم.
هكذا تبدو الرحلات العلمية حين تكتمل عناصرها: معرفة تُتداول، وتجربة تُعاش، وذاكرة تحتفظ بما يستحق البقاء.