د.زكية محمد العتيبي
لا يبدأ الانجذاب إلى المشاريع الفكرية من باب الإعجاب العابر، فهو يدخل من باب منطقة أعمق في الوعي؛ من حاجة ملحّة إلى المعنى، وإلى ما يبدّد ضجيج العالم بأسئلة قادرة على البقاء.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتتناقص فيه الأسئلة الجوهرية، يغدو الالتفات إلى المشاريع الفكرية المعاصرة محاولة واعية لفهم الوجهة التي تمضي إليها فلسفة المعرفة للإمساك بذلك الخيط الخفيّ الذي يربط الإنسان بأسئلته الأولى.
إنّ المشروع الفكريّ، في جوهره، ليس مجموعة إجابات جاهزة، بل هو إقامة طويلة داخل سؤال واحد، والإنصات إلى ما يولّده من تحوّلات في الرؤية؛ ولهذا تستوقفنا بعض التجارب الفكريّة التي لم تكتفِ بتقديم المعرفة، بل أعادت صياغة علاقتنا بها؛ ومن ذلك ما نجده عند (هارولد بلوم) الذي يقدّم الأدب بوصفه ساحة صراع هادئ بين الأجيال؛ حيث لا يولد صوت جديد إلا من احتكاكه العميق بأصوات سابقة، وهنا تتحول القراءة إلى فعل شجاعة، والكتابة إلى مقاومة صامتة، وكأنّ الكاتب يكتب دائمًا تحت نظر الأسلاف، مدركًا أنّ الطريق لم يكن يومًا خاليًا.
وفي اتجاهٍ آخر، يقف (رولان بارت) ليقوّض استقرار المعنى ذاته، ويدفعنا إلى مساءلة اللغة التي نطمئن إليها؛ فالنص عنده ليس كيانًا مغلقًا؛ لأنّه -في الأصل- فضاء مفتوح على احتمالات لا تنتهي، والقراءة ليست استهلاكًا للمعنى، بل إعادة إنتاج له.
بهذه الرؤية، يتحرر القارئ من سلطة المؤلف، ويغدو شريكًا في صناعة الدلالة، لا متلقيًا لها فحسب، وهنا يتبدّى المشروع الفكري بوصفه فعل تحرير؛ يحرر النص، يحرر القارئ، يحرر المعنى.
أما تجربة (إيريني باييخو) فتقدّم وجهًا آخر لسحر المشاريع الفكرية، وجهًا أقرب إلى الحميمية الإنسانية؛ فهي تكتب عن الكتب وتنزلها منزلة الكائنات الناجية من النسيان، فهي -في مشروعها- ذاكرة حيّة تقاوم الفناء.
في عالم (إيريني باييخو) تتحول المكتبة إلى ملاذ، والقراءة إلى فعل تعاطف يعيد الإنسان إلى هشاشته الجميلة؛ وكأنها تذكّرنا بأن التفريط في الذاكرة مخاطرة بالمستقبل.
ما يجمع هذه المشاريع، على اختلاف توجهاتها وتقاربها، هو شجاعتها في الإقامة داخل السؤال؛ فهي مشاريع لا تتعجل اليقين، بل تنسج المعرفة من بطء التأمل، ومن التوتر الخلاق بين ما نعرفه، وما نعجز عن الإمساك به؛ ولذلك فإنّ سحرها لا يكمن في نتائجها النهائية، بل في مسارها ذاته.
إنّ الانشغال بالمشاريع الفكريّة، في هذا السياق، هو انشغال بطريقة التفكير قبل نتائجه، وبالأسئلة قبل الإجابات، وهو ما يفضي إلى قناعة أساسية مفادها: إنّ المشروع الفكريّ لا يبدأ بإجابة مكتملة، بل بولاء صبور لسؤال يلازمنا، ويتشكّل معنا، حتى يغدو جزءًا من وعينا ومن طريقتنا في النظر إلى العالم.
وهنا تحديدًا يتجلّى السحر الحقيقي: حين لا يكون الفكر ما نملكه من أجوبة، بل ما نعيشه من أسئلة.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية