علي حسين (السعلي)
قبل أن نبدأ، دعونا نقرّر مسألة أجدها مهمة جدًا، وهي عبر سؤالين:
كيف نحكم على نصٍ بأنه إبداعي؟
ما الذي يميّز هذا النص عن غيره؟
لكل فعلٍ ردّة فعل، هذا قانون معروف، أليس كذلك؟! كذلك ينطبق ذلك على نصوصنا الإبداعية، فنية كانت أو أدبية أو ثقافية في شتى الفنون. بمعنى أن لكل نصٍ مريديه ومتذوقيه والمفتونين به، وغالبية من يُعجب بأي نص لا يعرف كنه جمالية هذا النص، ولا وقر في قلبه قبل نظره وسمعه وخطف عينه. وربما يتساءل: كيف وماذا وجدت فيه مختلفًا عن أي نصٍ آخر؟!
هنا، عزيزي المتلقي، نرجع إلى كتب النقد، قديمها وحديثها، لتفسّر لنا جمالية هذا النص، حتى يتسنّى لنا سبر أغوار النصوص والبحث عن جمالياتها. باختصار: من أين ننطلق؟
لعلي هنا أرجع إلى نظرية المتلقي بصفته متذوقًا وناقدًا وركيزة رئيسية في الحكم على النص. فما هي نظرية المتلقي؟
يقول الناقد محمد محمود:
“إن القراءة في استعمالها العادي خطية من جهة اهتمامها بفك ألغاز الصيغة الخطية للمكتوب، وعمودية من جهة اختراقها لأفقية المنطق الخطي، نحو منطق عمودي يُقصد فيه إلى إدراك الدلالات المنطوية والمتوازية في ثنايا المكتوب.”
وهنا يدعونا إلى تعريف ما هو النص الأدبي في نظر رشيد بن حدو:
“ما تُنقَرأ فيه الكتابة، وتُكتب فيه القراءة باستمرار.”
إذ لا يمكن أن تتحقق القراءة إلا إذا تعلّق الشغف من القارئ بالمقروء، وهذا في ظني قول واحد لا جدال فيه. فإذا تمت قراءة المكتوب، هنا يبدأ التحليل والكشف عن مكامن الجمال فيه، بحيث تتشكل لدى القراء قراءات مختلفة يسبح فيها الخيال لكل قارئ، وهي تكوين علاقة وثيقة ومتينة وحميمية بين النص والقارئ، ومن ثم تحويل ذلك المتخيّل إلى واقع بحسب كل قارئ، وهذه إشكالية أخرى.
وأعتقد أن كل هذه القراءات تصب في صالح النص، تعززه وتقويه بديمومة القراءة بنظرة كل العيون والحواس. فمثلًا، يشم القارئ من خلال قراءة النص مفردة “أنتِ عطري” عطرًا، رغم خياليته، فهو يشمه فعليًا، وهكذا!
الأجمل من هذا أن القارئ الواعي لنصٍ ما قد يخلق نصًا جديدًا أعجب به، تمامًا كالمخرج المسرحي الذي يقرأ نصًا ثم يخرجه بطريقته، ليراه مؤلفه نصًا آخر موازيًا لنصه. وفي هذه الحالة نقرأ نصين: نصًا أصليًا واقعيًا من قبل كاتب النص، ونصًا خياليًا من قبل الذي قرأ المكتوب. وفي كلٍ عمل إبداعي، مع أسبقية النص الأول للمؤلف.
وهكذا، وبعيدًا عن إشكالية المدارس النقدية، والتي تبدأ بالمذهب الروسي الذي يركز على الشكلانية، وهنا التركيز فقط على القشور من خارج النص، بينما المذهب البنيوي يركز على النص من داخله، مفرداته ولغته وجهاته فوق وتحت… ما يهمني هنا أن المتلقي القارئ هو الذي يحدد جمال نصٍ عن آخر، بوصفه الناقد والقارئ الأول، وهنا تكمن خطورة وجمالية أي نص معًا!
فلنأخذ نصًا لتحليل ما ذكرته أعلاه، للشاعر خالد الكديسي:
بعد منتصف الليل
يتكئ المقهى على صمته.
الفناجين
تعرف أسماء العشاق.
تهمسُ باسمٍ لم يُقل.
طاولةٌ
تكتم كلماتٍ
ارتجفت في صمت.
النافذة
تسرد وجوهًا
مرّت وتلاشت.
النادل
يمشي ببطء
يجمع الصمت
بدلًا من القهوة.
الباب
يتذكر ارتباكهم
حين خرجوا
كلٌ إلى وحدته.
يبقى المقهى
يمسح الليل عن طاولاته
ويخفي الهمسات
في خشبٍ قديم.
في هذا النص، كقارئ أولي، تشمّ رائحة القهوة، وتشخيص الطاولات كأنها جزء من المشهد كشخوص المسرحية. النص رائع وجميل، نص شعري قصصي فاتن.
هنا تشخيص؛ فقد تحدّثت الطاولة والنافذة والفناجين والخشب، واستُنطِقت الجمادات، كما قال أحمد شوقي حين سُئل: ما هو الشعر؟
أعجبني البدء بالليل والختام بالليل، وهذه مفارقة عجيبة:
“بعد منتصف الليل”
و”يمسح الليل”
والسؤال المهم هنا: من الواقعي ومن الخيالي هنا؟ هل هو النص أم القارئ؟ وكيف نجمع بين الاثنين؟