سليم السوطاني
يغرقُ ناصرٌ في ذكريات ماضيه حين كان طفلًا، فلا تستحضر ذاكرته إلا مشهدَ جدّه الذي فارق الحياة قبل ستّ سنوات. تقوده الذاكرة إلى أيام مرضه، حين بدأ السرطان ينهش ما تبقّى من عمره. كانت براءة الطفل تقف خاشعةً أمام ذلك الألم؛ فيُقبِل عليه يرقيه بما يحفظ من القرآن. وصار الجدّ يُسلِّم نفسه لذلك الصغير، يُرهِف سمعه له، ثم يقول بعد أن ينتهي:
«أشعر بتحسّن يا بني، لا بد أن تقرأ عليّ كلَّ يوم».
أصبح ناصر يشعر بسحابةٍ من الفرح تُحلّق فوق رأسه، ويوقن أنه، بفضل الله، سيطرد هذا المرض، بل سيجلده بسوط براءته. ولم يكن يشغل تفكيره يومذاك سوى ذلك الداء الفاتك الذي اقتحم عائلتهم، واختار كبيرهم ورفيق قلبه: جدّه «محمد»، الذي لم يكن يملّ من صحبته إلى الصلوات الخمس في مسجد الحي، أو مرافقته إلى البقالة..
انسابت دمعةٌ من عينه وهو يستعيد ذكرياته، وتذكّر موقفًا مع أمّه حين وبّخته توبيخًا شديدًا؛ لأنه طلب من جدّه أن يأخذ كشَّافته التي تُنير عتمته ليلعب بها. بكى يومها بكاءً مرّاً، فلما سمعه الجدّ، صاح مزمجرًا:
«من الذي أزعج ناصر»؟!
وتقدّم نحوه متوعّدًا من أغضب حفيده.
وحين سمع ناصر صوته، قال بشهقةٍ متقطّعة:
«نورة لامتني على أخذ كشّافتك».
اقترب الجدّ من أم ناصر، وقال لها بنبرةٍ يغلفها التواطؤ الحنون:
«إياكِ يا نورة أن تُحزني حفيدي مرةً أخرى، ولا أريد أن أسمع أحدًا يلومه».
وعندما انطفأت روحه، غرقت دنيا ناصر في عتمةٍ كثيفة، فبكى حتى بحّ صوته، ولم يجد ملاذًا إلا النوم هربًا من واقع رحيل جدّه الحنون. لم يكن يتخيّل يومًا أن ذلك الجبل الشامخ يمكن أن يتزحزح عن هذه الأرض.
كأن هناك من هزَّه وأيقظه، فنفض غبار الذكريات وعاد إلى حاضره، قرَّر زيارة قبر جدّه. دخل المقبرة مثقلًا بالحزن، وجلس عند شاهدة القبر، ثم انفجر باكيًا... ومن دون أن يشعر، بدأت كلماته تنساب بصوتٍ متهدّج:
«أتذكر يا جدّي حين أهديتني عطرًا، وميّزتني به عن سائر أحفادك، وطلبت مني ألا أُخبر أحدًا..؟ لقد أخبرتهم جميعًا. سأقول لك لماذا لم أوفِ بالعهد؛ لأنني كنت بريئًا آنذاك، وأردت أن أُخبر الجميع أنني الأوّل في قلبك».
ظلّ يُحدّثه بكل ما جرى بعده، وكأن الجدّ ينصت إليه. لم يدرِ كم مضى من الوقت، ولم يقطع حديثَه إلا دخولُ زائرٍ آخر إلى المقبرة، سمعه فقال:
«الله يجبر مصابك يا ولدي».
عاد ناصر إلى المنزل، وجمع ما أهداه إليه جدّه من مقتنيات، وأوصى أمّه أن تعينه على حفظها، وأخبرها أن هذه الأشياء ستبقى إرثًا عزيزًا على قلبه، يورِّثه لأبنائه وأحفاده.