خالد محمد الدوس
مدخل:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً: لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها..
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفنا في هذه الزاوية الثقافية: أ. د. خالد بن عبد العزيز الشريدة أستاذ علم الاجتماع بجامعة القصيم.. نحّول العدّسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع..
طرحنا عليه بعض (التساؤلات) بعد أن تم أنسنة علم الاجتماع ليكون محاورا افتراضيا يٌحمل المُجيب (مسؤولية مضاعفة)،فكانت الإجابة -وكما يقول - الخبير الاجتماعي التنظيمي ما يلي:
* كيف يمكن للمجتمعات المعاصرة أن توفق بين متطلبات التغير الاجتماعي السريع وثوابت ثقافتها وهُويتها..؟!
- يطرح علم الاجتماع أحد قضاياه الكبرى وهي قضية التغير، لكن الرؤية الغربية تركز على أن البعد المادي في هذه العملية هو الأهم، وقد يكون في بعض رؤاهم هو الوحيد في إحداث هذا التغير، ومع تسليمنا بأن البعد المادي له أثره في إحداث عملية التغير، لكن البعد الذي نؤكد عليه هو البعد السنني في مختلف طروحاتنا، بأن التغير لن ينفك عن سنن الله الاجتماعية فيما يحدث في هذا الكون، {حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}، والتغير في وجهة نظرنا له ثلاث حالات: تغير كلي، تغير جزئي وتغير نسبي.
أما الكلي فهو التغير الذي لا يقيم للثوابت أي معنى وأي تقدير، وهذا التغير هو التغير السلبي حيث إنه يؤثر على ثوابت واستقرار المجتمع وهويته وتاريخه وثقافته.
أما التغير الجزئي، هو التغير الذي يحدث في أحد أنظمة أو أنساق أو ظواهر الحياة دون التأثير على الثقافة برمتها، مثل قيادة المرأة كان ممنوعا والآن أصبح متاحا، هذا تغير جزئي في النسق الاجتماعي.
أما النسبي فهو الذي يحدث في التعاطي مع التغير في أدواته وأساليبه، مع بقاء أصله، وهذا يعتمد سلبا أو إيجابا مع طبيعة هذا التعاطي، إذا كان يصب في صالح هذا المجتمع أو على حسابه.
على سبيل المثال التغير في عمل المرأة، حيث لم يكن ظاهرة اجتماعية واضحة في وقت ما، والآن أصبح متطلبا مع آليات تضبط وتضمن سلامة هذا التغير.
وفي الجملة فكل تغير يكون لحساب وصالح ومصالح المجتمع فهو مطلوب اجتماعيا وشرعيا على ألا يكون على حساب أحدهما.
وهنا رؤية أقدمها لكل قراء علم الاجتماع والمتخصصين فيه بأن أي بعد مدني وحضاري فإنه يتناغم أصلا وفصلا مع ديننا الإسلامي، فالإسلام هو الحضارة ولا يخالف ولا يختلف مع كل قيمة أو وسيلة تصب في صالح ومصالح الإنسان، بل بالعكس فإنه يطالب بها.
* برأيك كخبير اجتماعي..كيف تُعيد النخب الثقافية إنتاج أو تفكيك التنظيم الاجتماعي التقليدي (كالقبيلة، والعائلة الكبيرة، والجوار..) تحت ضغط التحديث والمعاصرة ..؟!
- من وجهة نظرنا فإن هناك مكونات اجتماعية هي من أصول ثقافات المجتمعات، فالمكون القلبي هو أحد أصول مكونات المجتمع السعودي والعربي بوجه عام، لأن الله قال {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فالقرآن يقّر بمفهوم القبيلة، ودورها الاجتماعي، خصوصا حينما يكون دورها إيجابيا في تعزيز لحمة المجتمع، والوقوف مع المحتاجين، ومظاهر التضامن الاجتماعي.
وقد يكون لكبار رجالات القبيلة دور إيجابي في ضبط سلوكيات الأفراد وإدماجهم في المجتمع، ولا يعني وجود القبيلة في العصر الحاضر مناقضتها للنظام أو الدولة.
وإن كان هناك من إشكالية في مفهوم دور القبيلة، فهو يتضح حينما لا تنسجم وأنظمة الدولة أو حينما تتجاوز دورها الاجتماعي الإيجابي.
ويمنحنا علم الاجتماع القدرة على تنسيق الأدوار وتناغمها مع بعضها، الدولة والقبيلة والأسرة، ولذلك فعلم الاجتماع هو أحد متطلبات العصر للقيام بهذا الدور وهذا الواجب العلمي.
* قياس «نجاح» التغير الاجتماعي: هل يكون بالمعايير المادية أم باستقرار التنظيم الاجتماعي؟
- كل نجاح في عملية التغير الاجتماعي فإن قياس نجاحه، هو قدرته على تعزيز الأمن الاجتماعي والتنمية الاجتماعية، هذان الضابطان هما المقياس الأهم في أي قراءة لنجاح التغير الاجتماعي، الذي لا يخالف ثوابت المجتمع وقيمه الأصيلة.
* في زمن «صعود الفضاءات الرقمية».. هل نشهد تغيراً ثقافياً سريعا..؟ أم مجرد (تشظي) للقيم دون تحول حقيقي في البنية الاجتماعية؟!
- من وجهة نظرنا فإن الفضاءات، ووسائل التواصل الاجتماعي هي أحد أهم المؤثرات في عملية التغير الاجتماعي ولكنها ليست الكل، ويظهر في الفضاء الاجتماعي بعض الظواهر الهشة التي تنشأ ثم تغيب، لأسباب ظرفية وتلك لا تعنى تشظيا في بنية المجتمع بقدر ما تعنى مراهقة اجتماعية، تغيب مع حالة الرشد الاجتماعي.
* ما ملامح التنظيم الاجتماعي الجديد الذي تفرضه المنصات (مجموعات الواتساب، روابط تيك توك وغيرها..) وهل هي بديل عن المؤسسات التقليدية في خضم الانفجار التقني وتحدياته المستقبلية؟!
- من وجهة نظري الاجتماعية لا يمكن لهذه الظواهر التقنية أن تكون بديلا عن المؤسسات الرسمية، ولكن تكون أحد أدواتها في تسهيل خدمات الناس ومصالحهم، بمعنى أنها أساليب وأدوات لأنظمة، وليست بديلا عنها، ويشهد الفضاء التقني السعودي حالة من التميز في استخدام هذه الأدوات في مختلف احتياجات المواطنين والمقيمين ومتطلباتهم، فنظام أبشر والأنظمة العدلية التقنية أصبحت نماذج عالمية، في قدرتها على تسويق الأنظمة الرسمية وقربها من المواطنين والمقيمين.
وكل هذا أحد منجزات ومستهدفات الرؤية الوطنية 2030 التي تستحق أن تكون مادة دراسية وأن يركز علماء الاجتماع على دراساتها وطلاب الدراسات العليا، ويقدمونها كنظرية تنموية سعودية المنشأ، أصيلة الصبغة.