أ.د.أبو المعاطي الرمادي
في ميتا سرد الشخصية تدرك الشخصية القصصية أنها كيان ورقي، وأن هناك مؤلفًا هو صانعها، والمتحكم في حركتها ومصيرها داخل الحكاية، فتثور عليه أحيانًا وترفض وضعيتها التي وضعها فيها، والنهاية التي رسمها لها، وتتملقه وتستعطفه أحيانًا أخرى؛ لتحقيق مكاسب تضمن لها أفضل وضعية بين الشخصيات الأخرى داخل المتخيل القصصي، وأحيانًا تنشأ بينها وبين المؤلف علاقة صداقة، فيستشيرها في عملية صناعة المتخيل، وحبكة القصة، والنهايات المحتملة للشخصيات.
ويأتي أحيانًا داخل المتخيل القصصي على شكل صراع بين شخصيتين ورقيتين أو أكثر، حول أحقية الوجود في صدارة المشهد القصصي، أو على شكل تحريض من شخصية لبقية الشخصيات للثورة على المؤلف ورفض الوضعيات التي وضعها فيها، أو على شكل صراع بين شخصيات ورقية في عملين مختلفين لمؤلف واحد، أو بين شخصيات في عملين لمؤلفين مختلفين، وقد يرتبط ميتا سرد الشخصية بوعي المؤلف، فهو الذي يرى الشخصيات الورقية شخصيات حقيقية، ويتعامل معها على أنها شخصيات واقعية، فيتعاطف معها ويكرهها ويتملقها.
في قصة (تمرد) ضمن مجموعة (القاع) لعائشة الحسن الزهراني، تتمرد الشخصية (صفية) على المؤلف (آسر الزيف) رافضة أن تكون مجرد أداة يعلو صيت آسر وينتشر اسمه في أوساط الأدباء والمثقفين دون أن تستفيد هي من وراء هذه الشهرة شيئًا.
ففي حوار بين (صفية) و(آسر) الذي تؤجج أيام البرد والمطر ينابيع الإبداع داخله، تعبر عن سأمها من استدعائها كلما اشتد البرد كمدفئة ورق.
«_ البرد وشاية تجئ بك .. كمدفئة ورق .. تبدو السماء مثخنة الليلة بالمطر يا صفية ..!
_ والبرد حجة يجعلك تبحث عني .. صحيح؟!
_ ماذا لو كان كل ما نحتاجه لنلهو تحت المطر معطف ورقي أو مظلة كتابة .. تبللها السماء لتسيل الأحرف ويقطر الحبر .. لا شيء يشغلني بدفء نشوة كإيقاع قطرات حبر.
_ إيقاع قطرات تدمي روحي، صحيح؟
_ لا تكوني حمقاء .. أنت الحبر.. أنت الكتابة.
_ ولكني سئمت ..!
_ سئمت .. سئمت»
يتعاطف معها (آسر) ويحاول تبديد سأمها بالتنازل عن حقه في استدعائها «لأنك لم تبخلي علي يومًا.. اخلدي للراحة الليلة.. ونلتقي في وقت لاحق.. إلى اللقاء»، لكنها تصمم على أن يكون الفراق بينهما نهائيًا «لا انتظر لا أريد هذا الليلة فقط.. طالما أنت تعترف بأني لم أبخل عليك يومًا.. ولم أبخل في صناعة نجاحاتك ولا في تضريج اسمك في الضوء ودفني في الظل.. أنا أطالب بإعفاء أطول.. براحة أبدية.. فقط حررني.. أطلقني»
ولإصراره على عدم تحريرها تهدده بالانتحار «إن لم تحررني سأنتحر»، فيدخل معها في صراع يوضح لها فيه أنها مخلوق من حبر على ورق، ووهم إنسان «صفية عزيزتي أنت مجرد كائن حبري... شخصية ورقية أنقلك من كتاب على كتاب.. أنت وهم إنسان أنا خالقه .. أبث فيك الروح وقتما أشاء... وأمتصها منك وقت الانتهاء، لأعود أنفثها وقتما أحتاج .. هل تفهمين يا حمقائي؟ أنت مجرد كائن حبري»، فتتهمه بالأنانية، وتنعته بالسجن الواسع «أنت سجن واسع.. عالمي الذي أطير فيه بلا إرادة.. تمنحني حياة وتسلبني أخرى»، وتتهمه باغتيال أبطاله «أخبرني أيها الأناني لماذا اغتلت البطل في الكتابة الأخيرة.. لماذا كنت بشعًا بذلك القدر لتمزقه بخطيئة ما كانت الأحداث تخطط لها؟ لم انحرفت بخط سير الشخوص..؟ لتدمره.. لتفجعني فيه.. ككل مرة وككل ألم»، وفي ذروة الصراع بينهما تعلن عن كراهيتها له.
«_ أنا أكرهك أيها البشع الأناني.. ولست تحت أمرك على الأقل بعد الآن..
_ تضحكيني مرة أخرى.. أنا خالقك ولا يمكن للعبد أن يتمرد على خالقه..!
_ أنت سجاني .. ويحدث للسجين أن يهرب..!
_ أنت لا تعنين شيئًا بعيدًا عني!
_ بل أنت من لن تساوي شيئًا بدوني.»
انتهى الصراع بين (صفية) و(آسر) بانتصار (صفية) وتمكنها من الهروب من سجنه، وفشله في ارجاعها أو استرجاعها مرة أخرى، ما دفعه إلى تأليف كتاب بعد محاولات دامت خمس سنوات، عنوانه (تمردت صفية) صفحاته كلها بيضاء إلا الصفحة الأخيرة التي توسطتها جملة يتيمه اعترف فيها بعدم عودة (صفيه) « ولم تعد إلى وقت إصدار هذا البياض»
نستطيع أن نقول إن ميتا سرد الشخصية -هنا- قناع يشبه إلى حد كبير القناع الذي اعتمد شعراء الشعر الحر عليه في قصائدهم لتمرير أفكار وأيديولوجيات خاصة بحرية كاملة دون الوقوع تحت مقصلة الرقيب؛ فالمتأمل في القصص القصيرة التي استثمرت هذه التقنية يرى الصراع بين الشخصية الورقية والمؤلف صراعًا بين المركز والهامش؛ فاصطدام «البطل الشخصية الوهمية مع المؤلف، مبدعها الذي شكلها، ومنحها تفاصيل وجودها يرمز إلى خلخلة فكرة المركز، وانتقادها، ويفتح لقبول فكرة التغيير ونبذ المسلمات، وتقبل فكرة اعتلاء الهوامش أيًا كانت عروش السلطة»، كما تقول نوال السويلم. وهو في القصة معادل موضوعي لصراعات مجتمعية بين من يمسكون بزمام الأمور ومن يخضعون مرغمين لهم، وانتصار الهامش داخل المتخيل نبوءة لانتصار الهامش في الواقع مهما طالت سيطرة المركز.
ويحضر ميتا سرد الشخصية بصورة أخرى في قصة أحمد الحقيل (كيف تكتب قصة اعتباطية تؤدي إلى ساراماجو)، المنشورة في موقع (الأنطولوجيا)؛ فالشخصية (فاروق) الشخصية الرئيسة التي تدور حولها أحداث القصة الاعتباطية، تلتقي صدفة بـ(خوزية) الشخصية الرئيسة في رواية (كل الأسماء) للروائي البرتغالي جوزية ساراماجو، وهو يقفز إلى داخل المدرسة؛ ليبحث عن اسم فتاة درست فيها قبل سنين. «يرى رجلًا يقفز الجدار إلى الداخل، يصعد المبنى إلى نافذة عالية، ويفتحها»، فيحزن لحاله، ويتعجب من سبب فعله، ومن خلال الحوار بينهما يفهم المتلقي أن السبب مؤلف الرواية (ساراماجو) الذي خطط الأحداث وحدد الشخصيات المنفذة لها. «لا يوجد سبب مقنع لتفعل جنونًا كهذا، أيًا كان هذا السبب، ولكن السيد جوزيه يحشرج مستجديًا: إنك لا تفهم، يجب أن أفعل ذلك، وإلا فإنه سيغضب. من هو الذي سيغضب؟! هل يجبرك أحد على القيام بهذا؟!... إنه دوري أرجوك أرجوك ساعدني على الصعود. صرخ فاروق: الصعود؟! هل جننت؟ سوف تموت».
ينجح (فاروق) في إقناع (خوزيه) بعدم الامتثال لخطة المؤلف «هيا، يجب أن نذهب من هنا قبل أن ينتبه أحد. يقف السيد خوزيه منكس الرأس، بعد أن سعل بحشرجة مبحوحة مجرحة. يتطلع فيه فاروق باشمئزاز رثائي: «تأمل نفسك» استشعر السيد خوزيه -كما يفعل دائما- دونيته السافلة، محدودبًا، يقطر مطرًا ينقع بلزوجة عفنة. واستشعر -كما يفعل دائمًا أيضًا- عجزه عن اتخاذ ردة فعل واضحة»، لكنه يستسلم لـ(فاروق) «وهو ما لم يفعله من قبل؛ فقد استجاب مشدوها لأمْر فاروق بنظرة ذاهلة. لم يحدث في حياة السيد خوزيه كشخصية في رواية أن حدث شيء كهذا، خروجٌ مفاجئ عن النسق»، وبسبب محاصرة (فاروق) له بالأسئلة الاستجوابية المتتالية عن الشخص الذي سيغضب إذا لم ينفذ ما رسمه له بدقة متناهية (القفز داخل المدرسة والصعود إلى الطابق العلوي، مع ما في ذلك من خطورة على حياته) «من الذي سيغضب إذًا؟!»، بدأ -مع خوفه- يحكي له هامسًا: «إنه الرجل الذي كتبني. وهل يفعل هذا بك دائمًا؟! ليس دائمًا. ولكنني أقوم أحيانًا بأشياء غريبة، إنك تتقبل الإهانة بصمت مخز. لماذا لا تعترض! دمدم السيد خوزيه بنبرته الانهزامية: ما الذي تقوله؟! لا أستطيع أن أعترض. لا أحد يستطيع. إنه ممنوع، لا شيء ممنوع».
من أجل إنقاذ (خوزيه) لم يكن هناك حل غير الذهاب إلى المؤلف (ساراماجو) وإقناعه بتغيير الأحداث حتى لا يفقد العجوز المريض حياته « كفى يا خوسيه! سنذهب إلى كاتبك، انتهى النقاش، سارا في طريق شبحي آخر، إلى طرق شبحية أخرى. حتى وصلا إلى بيت صغير في ركن هادئ من حارة هادئة. ضغط فاروق الجرس، وانتظرا. السيد خوزيه يرتجف بارتباك. قال فاروق: لا تقلق، لا يستطيع إيذاءك، أنت لا تعلم هذا، بالطبع لن يؤذيك. أنت بطل قصته، سيقتلك مثلًا؟! من سيقرأ قصة يموت فيها البطل بشكل اعتباطي في منتصف الأحداث؟! أومن سيقرأ قصة يفعل فيها البطل ما يحلو له؟! إن الأمر خطأ، أنت البطل! تصرف كبطل الله يلعنك!»
أمام منزل (ساراماجو) المحملق في الرجلين « بعمق عدائي مسبق» دار حوار بين الثلاثة، يظهر فيه سطوة المؤلف وثورة الشخصية الورقية التي لا تعترف بورقيتها وترى أن لها حقوقًا لابد أن تحصل عليها، أهمها حق قبول أو رفض حركتها ومصيرها داخل القصة.
«اسمع، هذه الأفعال الخطيرة لا يليق أن يقوم بها رجل في مثل صحته وسنه، ولهذا أنت هنا عند بابي في منتصف الليل؟!... هل تفعل ذلك مع كاتبك؟ كاتبي لم يجعلني أقفز سور مدرسة في ليلة ممطرة وأصاب بالحمى، إذًا أنت راض عن كل شيء جعلك تقوم به؟!... لا تحاول تغيير الموضوع. هذا الرجل يحتاج لعناية طبية، ويحتاج لأن تعامله بشكل أفضل، التفت ساراماغو نحو السيد خوزيه وماذا تقول أنت؟! ولكن السيد خوزيه كان يقف بينهما بنظرة زائغة خائفة، ممسكًا بمنديله بين يديه، كطفل تائه. تأتأ قليلًا بينما يترقبه الاثنان، ثم قال بصعوبة: أنا لا أفهم شيئًا مما يحدث»
خاطب (ساراماجو) فاروق بالمنطق «لا يجدر بشخصية ما أن تقابل كاتبها، إن هذا يضع مزيدًا من الارتباك والعاطفة السلبية. كل شيء يجب أن يبقى في سياقه الخاص»، لكنه لم يقتنع ورفض الحالة التي عليها خوزيه، وصمم على أن يغير (ساراماجو) الأحداث، أو على الأقل البعد المادي للشخصية، فما كان من (ساراماجو) إلا التهديد «اذهبا وليكمل كل منكما دوره بعيدًا عني، وإلا فسأخرج عليكما بمحشّ الشجر».
لكنه تهديده لم يجد نفعًا مع (فاروق) الثوري، الذي راح يقنع (ساراماجو) بأنه في قصة (كيف تكتب قصة اعتباطية تأخذك إلى ساراماجو) مجرد شخصية ورقية مثلهما، وليس (ساراماجو) الحقيقي، وليس له حق رفض إعادة تشكيل شخصية (خوزيه).
«ولكن هذا هو دوري، أن أقف هنا أمام ك وأعترض. أنت شخصية، ولذا لا خيار لك. أما أنا فلي خيار. ولكن أنت أيضًا شخصية. أنا ساراماجو! ولكنك في قصة! إنك لست ساراماجو الحقيقي، ساراماجو الحقيقي ميت! بس! ولا كلمة! صفق الباب في وجهيهما.»
أمام تهديد (ساراماجو) لهما «أقسم لكما، إنني أحمل محش الشجر في يدي» لم يجد (خوزيه) بدًا من الاستسلام لسلطة المؤلف «فالتصق السيد خوزيه في الباب: لا تقلق.. سنذهب الآن.. وسأعود إلى المدرسة لنستكمل ما سيحدث»، ورد على سؤال (فاروق) «إنك ستعود فعلًا؟» بلا خيار لي، وعندما حاول إيقاظ وعيه للثورة على المؤلف والمطالبة بحقوقه، «ولكن يجب أن يكون ثمة خيار»، كان رده «وهل تستطيع أنت أن تملك خيارًا؟»
قارئ قصة الحقيل يجد نفسه أمام شخصيتين ورقيتين (فاروق، وجوزيه)، وشخصية حقيقية تحولت إلى شخصية ورقية داخل الإطار السردي (كيف تكتب قصة اعتباطية تؤدي إلى ساراماجو)، هي شخصية الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو، وشخصية حقيقية تمسك بزمام اللعبة السردية، هي شخصية أحمد الحقيل المصر على أن أحداث قصته كلها أحداث خيالية لا تمت للواقع بصلة، والمتظاهر بحيادية تجاه الشخصية (فاروق) الذي لم يكتف بتحريض (جوزيه) على الثورة على ساراماجو، بل حوّل التحريض إلى فعل ثوري. وهي شخصيات جعلت الميتا سرد في القصة ليس مجرد لعبة سردية ساخرة يحاول من خلالها الحقيل كسر الحاجز بين المؤلف وشخصياته، وإبراز وعي النص ما بعد الحداثي بنفسه، وليس مجرد قناع لتمرير أيديولوجيا ثورية ترفع من شأن الهامش/ الشخصية، أمام المركز/ المؤلف؛ فوجود (فاروق) الشخصية العربية أمام (جوزيه) الشخصية البرتغالية، و(الحقيل) أمام (ساراماجو) الفائز بجائزة نويل يحيل إلى معان أخرى كامنة خلف سطح السرد، لعل أهمها، السخرية من فكرة القداسة الأدبية، وتفكيك الهيبة، وإعادة الأدب إلى مستوى اللعب، ورفض للسرديات الكبرى، والتأكيد على أن المؤلف ليس إلهًا، والشخصيات ليست مقدسة. وهي معان ما كانت لتكمن في القصة القصيرة لولا الميتاسرد.
** **
- جامعة الملك سعود.