د.حسن مشهور
في إحدى الفعاليات التي أقامتها مؤخرًا إحدى جمعيات الأدب، تم تكريم الأديب الراحل محمد علي قدس الذي يوصف على الدوام بسادن الحكاية، وهو أمر محمود أن تتم عملية تكريم أديبنا الكبير هذا، خاصةً في ظل أن تقدم الأمم لا يُقاس بما تشييده من مدنية وعمران فقط، وإنما بما تحفظه من ذاكرة، وما تكرسه من تقدير لرموزها من الأدباء وعموم المثقفين الذين أسهموا عبر نتاجهم الإبداعي في صناعة وعي جمعي فاعل. وفي مملكتنا الحبيبة، المملكة العربية السعودية، حيث تضرب جذور إرثنا الثقافي عميقًا في التاريخ العربي والإسلامي، فإنه تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر في مفهوم التكريم الأدبي، بحيث لا يقتصر على من رحلوا، بل يمتد ليشمل الأحياء من عموم أدبائنا ومفكرينا.
ولقد درجت في عالمنا العربي الكثير من المؤسسات الثقافية على الاحتفاء بالأسماء بعد غيابها، وكأن الاعتراف يأتي في الغالب متأخرًا، وذلك بعد أن يفقد المبدع القدرة على التفاعل مع هذا التقدير أو الاستفادة منه معنويًا. في حين أن، تكريم الأدباء وهم على قيد الحياة لا يمثِّل لفتة وفاء فقط، بل هو استثمار ثقافي حي يخلق جسورًا مباشرة بين الأجيال، ويمنح الشباب فرصة التعرّف على رموزهم عن قرب، لا من خلال الكتب فقط، بل من خلال الحوار والتجربة الإنسانية المباشرة.
حيث تبعث عملية تكريم الأحياء هذه برسائل متعددة؛ أولها أن المجتمع يقدِّر العطاء في حينه، وثانيها أن الإبداع ليس فعلًا معزولًا، بل هو جزء من نسيج وطني يحتفي به ويتم احتضانه. كما أن هذا التكريم يسهم في ذات الوقت في تحفيز الأدباء أنفسهم على مواصلة الإنتاج، ويمنحهم شعورًا بالمسؤولية تجاه جمهورهم وتجاه إرثهم الثقافي.
ومن جانب آخر، فإن تعريف الأجيال الجديدة بالأدباء الأحياء يرسخ لديهم مفهوم القدوة الواقعية. فالشباب حين يرون الكاتب أو الشاعر أمامهم، ويسمعون صوته، ويتعرَّفون على مسيرته، فسيدركون حينها أن الإبداع طريق ممكن، وليس مجرد حكاية بعيدة تتموضع في كتب التراث. وهنا تتجلَّى أهمية المؤسسات التعليمية والثقافية في استضافة هؤلاء الأدباء والمبدعين، وإدماجهم في الفعاليات والبرامج، ليصبحوا جزءًا من الوعي الجمعي الحاضر والمعاصر.
وبالنسبة لمن رحل عنا من كبار مبدعينا فيمكن للمؤسسات الثقافية الفاعلة على اختلاف تشكيلاتها إطلاق جوائز أدبية تحمل أسماء هؤلاء الرواد والمبدعين في ذات الحقل الأدبي أو الثقافي الذي كان قد تجلَّى فيه إبداعهم. وتكون هذه المسابقات وجوائزها موجهة بالكلية للجيل الناشئ من شبابنا ويتم إطلاقها عبر شراكة مع المؤسسة التعليمية «وزارة التعليم»، لأنه بغير أن تعطى مسحة رسمية تعليمية يؤكدها القائمون على تعليم هؤلاء في مختلف محاضن العلم، فإنه لن ينظر إليها في الغالب بشكل كبير، حيث ستسهم هذه الجوائز التي تحمل أسماء كبار مثقفينا في دفعهم باتجاه الأدب والثقافة على عمومها، ويقلِّل بالتالي من تركيزهم على برامج التواصل الاجتماعي وتطبيقات الألعاب التي باتت تستهلك جل وقتهم وتشغلهم عن مناشط الإبداع، ومربعات الأدب والثقافة، وفي ذات الوقت ترسخ في عقولهم أسماء هؤلاء المبدعين، ويمثِّل لهم هذا الأمر حافزاً للاتجاه صوب الكتابة الأدبية والثقافية على عمومها.