صبحي شبانة
لم يكن السؤال الذي طرحه أحد القراء مجرد استفسار عابر، بل بدا وكأنه مفتاحٌ لحكايةٍ أطول مما تحتمله الكلمات، لماذا تكتب بكل هذا الحماس عن المملكة العربية السعودية؟، سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه في عمقه يمسّ طبقاتٍ رحلة ممتدة من التجربة والذاكرة والانتماء، ويستدعي سيرةً لا تبدأ من لحظة الكتابة، بل من رحلة حياة تشكّلت على أرضٍ لم تكن يومًا غريبة، حتى قبل أن تطأها قدماي، فالحكاية في حقيقتها لا تخصّ فردًا بعينه بقدر ما تعبّر عن مسارٍ مشترك عاشه عشرات الملايين من المصريين الذين عبروا البحر، لا بحثًا عن عملٍ فحسب، بل عن أفقٍ أوسع للحياة، فوجدوا في المملكة علاقة أخوية وإنسانية لا تقوم على الفوارق، بل على القرب الإنساني الصادق، لم تكن الكتابة عن المملكة خيارًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لتجربةٍ عميقة، تشكّلت عبر الزمن، وتحوّلت إلى موقفٍ لا يمكن فصله عن الذاكرة أو الوجدان.
لم يكن السؤال عابرًا، ولم تكن إجابته قابلة للاختصار، لماذا تكتب بكل هذا الحماس عن المملكة؟، سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في حقيقته يفتح أبوابًا واسعة على التاريخ والجغرافيا والوجدان، وعلى تجربة إنسانية ممتدة لا يمكن أن تُختزل في كلمات عابرة أو مواقف لحظية آنية، أكتب عن المملكة لأن الحكاية بالنسبة لي لم تبدأ بالكتابة، بل بدأت بالحياة نفسها، يوم وطئت قدماي أرضها، لم أكن أحمل سوى طموح شاب مصري يبحث عن فرصة، فإذا بي أجد ما هو أبعد من الفرصة، وجدت بيئة تحتضن، ومجتمعًا يتقبّل، وأرضًا تمنحك شعورًا بأنك لست غريبًا، حتى وإن جئت من بعيد، من وراء البحر.
في تلك السنوات، لم أتعلم فقط كيف أعمل، بل تعلمت كيف أرى العالم بشكل أوسع، وكيف أفهم معنى الانتماء الذي لا يُقصي الآخر، بل يحتضنه، تعلمت أن الوطن ليس فقط المكان الذي وُلدت فيه، بل أيضًا المكان الذي منحك فرصة، وصان كرامتك، وفتح لك أبوابه، ومن هنا، جاءت الكتابة لا كقرار، بل كامتداد طبيعي لتجربة عميقة.
أكتب عن المملكة لأنني عشت فيها ما يجعلني أكتب، لا بدافع المجاملة، ولا بدافع الانحياز الأعمى، بل بدافع الإنصاف، وهو أقل ما يمكن أن يُقدَّم لتجربة صادقة، أكتب عنها لأنني رأيت فيها دولة تسعى إلى التوازن بين الحفاظ على هويتها الدينية والثقافية، وبين الانفتاح على العالم والتطور، دولة تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في مواردها، بل في قدرتها على إدارة هذه الموارد، وعلى توظيف موقعها التاريخي والجغرافي في خدمة الاستقرار الإقليمي.
أكتب عنها لأنني، ببساطة، أحبها، والمحبة هنا ليست شعارًا يُرفع، ولا عبارة تُقال في سياق عاطفي عابر، بل هي خلاصة تجربة، وتراكم سنوات، وذاكرة ممتدة، تشكّلت من تفاصيل صغيرة وكبيرة، حتى أصبحت جزءًا من تكويني الشخصي.
فحين يُطرح السؤال: لماذا كل هذا الحماس؟، تكون الإجابة أبسط مما يُتوقع، لأن الحماس، في هذه الحالة، ليس خيارًا، بل نتيجة طبيعية، كيف لا أكتب عن أرضٍ تحتضن قبلة المسلمين؟، كيف لا أكتب عن بلدٍ جمع بين قداسة المكان، وعمق التاريخ، وعبقرية الجغرافيا؟.
كيف لا أكتب عن تجربة إنسانية عشتها بكل تفاصيلها، ورأيت فيها وجوهًا للخير والكرم والحب والتسامح؟.
إن الكتابة عن المملكة بالنسبة لي، ليست مجرد تناول لموضوع، بل هي شهادة على زمنٍ عشته، وعلى علاقات صادقة، قوية وصافية لمستها ورأيتها، وعلى محبةٍ لم تكن يومًا ادعاءً، بل كانت ولا تزال حقيقة، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا أكتب عن المملكة؟، بل: كيف يمكن لمن عاش كل هذا… ألا يكتب؟