إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
حين تقف أمام لوحات الفنان عبدالمحسن السويلم في معرضه الشخصي «طاقات» والذي أقيم بنايلا جاليري في مدينة الرياض، لا تشعر أنك أمام مجرد أسطح لونية صامتة إنما تجد نفسك متورطاً في حكاية تبدأ من ملامح الرياض القديمة ولا تنتهي عند حدود التجريد المعاصر، إنها رحلة بصرية ووجدانية تفتح لنا «طاقة» في جدار الزمن لنطل منها على هويتنا التي تشكلت من طين الأرض وعمق الضوء.
حين يستيقظ الحنين
تبدأ الحكاية من قلب الرياض عام 1957م، حيث ولد عبدالمحسن السويلم هناك، في تلك الأزقة التي كانت تفوح برائحة الأرض بعد المطر، ولدت موهبته الفطرية التي بدأت تتبدى بوضوح منذ المرحلة الابتدائية، وعلى الرغم من أن دراسته الأكاديمية في الآداب بجامعة الملك سعود أخذته بعيداً عن مرسمه لفترة إلا أن الفن ظل ينمو في داخله كبذرة تنتظر لحظة الارتواء.
لم تكن عودته للممارسة التشكيلية في عام 2000م مجرد استئناف لهواية قديمة، بل كانت عودة واعية لترجمة مخزونه البصري بروح أكثر نضجاً، ومن هنا بدأ السويلم ينسج تجربته التي صُقلت عبر سنوات من العمل في محترفات الرسم لتصل اليوم إلى محطتها الحالية كخلاصة لتطور فني رصين يبحث في أسرار التكوين، ممتداً من معرضه الشخصي الأول «طاقات 1» الذي قدمه عام 2023م.
هندسة الروح ونمو الكتلة
إذا تأملنا بنية اللوحة عند السويلم سنجد أنها تعتمد على نظام التراكم العضوي، الأعمال لا تبدأ من نقطة مركزية واحدة، بل تنمو كشجرة تمد أغصانها نحو الأعلى هذا «التكوين العمودي» هو السمة الغالبة على معظم أعمال المعرض، حيث نرى الوحدات المعمارية والأقواس تتسلق فضاء اللوحة في حركة صاعدة توحي بالنمو والارتقاء.
هذه البنية ليست مجرد توزيع هندسي هي لغة بصرية تعبر عن رغبة الإنسان في التسامي، البيوت في لوحات السويلم لا تثقلها الجاذبية فهي لا تقبع فوق أرض طينية جامدة، بل تبدو وكأنها معلقة في فضاء من النور متحررة من ثقل الحجر والطين لتتحول إلى كتل من الوجدان الخالص.
إن الفنان هنا يبني مدينة لا تسكنها الأجساد، مدينة تسكنها الأرواح والذكريات حيث تتداخل الأقواس النجدية مع الخطوط الانسيابية لتخلق مدناً خيالية تنتمي للمستقبل بقدر ما تنتمي للماضي.
حين تتحدث «الطاقات»
ما الذي تعنيه «الطاقة» في وجداننا؟ يوضح السويلم أن هذه المفردة العامية النجدية كانت تُستخدم للدلالة على النوافذ والفتحات الصغيرة في جدران البيوت الطينية في الماضي كانت هذه «الطاقات» هي الوسيلة الوحيدة للتواصل مع العالم الخارجي منها يدخل نسيم «الصبا» ومنها يتسلل شعاع الشمس ليرسم ظلالاً هندسية على الأرض.
في أعمال السويلم، يتحول هذا العنصر المعماري إلى بطل وجداني يخاطب عاطفة المتلقي. إن تلك الفتحات الصغيرة التي يوزعها الفنان بدقة على سطح اللوحة لم تكن فراغات صامتة، هي «دعوات للعبور» تستدعي صوراً من الألفة والسكينة التي كانت تمنحها تلك الجدران السميكة، وتفتح في ذهن القارئ أبواب التساؤل عن تلك الحيوات التي كانت تعبر من خلال هذه النوافذ، إن كل «طاقة» يرسمها السويلم هي بمثابة رسالة حب للماضي واعتراف بالجمال الذي كان يكمن في أبسط التفاصيل المعمارية التي منحت بيوتنا القديمة شخصيتها الفريدة.
الظل والنور كبديل للملمس
يكمن ذكاء السويلم الفني في قدرته على محاورة حواسنا بطريقة غير مباشرة عندما تقترب من اللوحة تتهيأ يداك لتلمس خشونة الطين ونتوءات الجدران التي تبدو بارزة للعين لكنك تفاجأ بأن ملمس العمل ناعم ومستوٍ تماماً هنا تبرز براعته في استخدام الظل والنور كأدوات سحرية لخلق «الإيهام البصري» بالعمق والكتلة.
هذا الأسلوب التقني يحمل في طياته بعداً فلسفياً عميقاً فالفنان يريدنا أن نرى «جوهر» المادة لا مادتها الصماء، إن البروز الذي نراه هو في الحقيقة أثر الضوء المسلط على الذاكرة، والظل الذي نلحظه هو عمق الحنين، وبذلك تصبح اللوحة الناعمة جسراً بصرياً ينقلنا من حقيقة القماش الصماء إلى خيال الحارة النجدية القديمة محققاً توازناً مدهشاً بين المهارة التقنية والصدق التعبيري.
تراب الأرض وصفاء السماء
تنساب الألوان في لوحات السويلم كقصيدة شعرية تتراوح بين السكون والحركة هناك سيطرة واضحة للألوان الترابية التي تمثل «الأصل» و»المنبت» فدرجات الترابي والبني والبيج هي صدى للأرض التي احتضنت طفولتنا، هذه الألوان تمنح المتلقي شعوراً بالأمان والثبات وكأن اللوحة تضرب جذورها في عمق التربة النجدية.
لكن السويلم لا يحبسنا في جفاف الطين بل يكسر هذه الرتابة بضربات لونية زرقاء جريئة تنساب في بعض الأعمال الطولية، هذا الأزرق ليس لوناً عابراً بل هو رمز للحياة والارتواء هو تلك «الطاقة» التي تنفتح على سماء واسعة مانحة المتلقي شعوراً بالاتساع والحرية، هذا التضاد اللوني بين دفء الأرض وبرودة السماء يخلق توتراً جمالياً جاذباً يجعل المتلقي في حالة ترقب وبحث مستمر داخل فضاء اللوحة.
التراكم وازدحام الحكايا
في الأعمال الكبيرة التي تضم مئات الوحدات الصغيرة المتراصة نلمس بعداً آخر للوجدان وهو بعد «الجماعة»، هذه البيوت المتراصة التي لا يفصل بينها جدار تعكس طبيعة المجتمع الذي نشأت فيه هذه العمارة النوافذ الكثيرة (الطاقات) تبدو كأنها عيون تراقب بآلفة وفتحات تتنفس من خلالها الكتلة الصامتة.
إن عملية بناء هذه التفاصيل الدقيقة على سطح اللوحة الناعم تعكس صبراً وتأنياً يشبه صبر البنّاء القديم وهو يرفع مداميك الطين، الفنان هنا لا يرسم شكلاً إنه يبني مجتمعاً بصرياً يضج بالحكايا حيث كل «طاقة» هي قصة إنسان وكل قوس هو شاهد على عصر من الإبداع الفطري هذا التراكم لا يؤدي إلى الفوضى بل إلى «هارموني» بصري يجمع بين تشتت التفاصيل ووحدة التكوين العام.
حين يصمت اللون ليتحدث المعنى
في بعض أعمال المعرض الأكثر تجريداً نجد السويلم يمنح مساحات أوسع للفراغ هنا تصبح المساحة البيضاء أو الرمادية المحيطة بالكتلة المعمارية جزءاً لا يتجزأ من العمل الوجداني الفراغ عند السويلم ليس عدماً، هو فضاء للتأمل هو المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي أو هو الصمت الذي يسبق البوح.
هذا التوظيف الذكي للفراغ يساعد في تركيز عين المتلقي على «الطاقة» المركزية في اللوحة، ويمنح العناصر المرسومة قدرة أكبر على التنفس إنها دعوة من الفنان لنشارك في إكمال اللوحة بخيالنا لنملأ تلك المساحات الفارغة بذكرياتنا الخاصة وأحلامنا التي لم تُحك بعد.
دعوة للجلوس أمام «الطاقة»
إن معرض «طاقات « للفنان عبدالمحسن السويلم هو أكثر من مجرد عرض تشكيلي إنه دعوة لكل واحد منا ليفتح «طاقته» الخاصة، يذكرنا أن الجمال ليس في الضخمة والتعقيد بل في تلك النوافذ الصغيرة التي نطل منها على ذواتنا.
السويلم في هذا المعرض لا يطلب منا أن نرى أعماله فحسب لكنه يطلب منا أن «نشعر» بها، إنها تجربة بصرية تخاطب الروح قبل العين وتؤكد أن الفن الصادق هو الذي يستطيع أن يحول قطعة من القماش الناعم إلى جدار من الحنين وفتحة صغيرة من النور إلى فضاء واسع من الإبداع هكذا تظل «طاقات» السويلم مفتوحة دائماً ليمر منها الضوء وليبقى من خلالها أثر الإنسان محفوراً في ذاكرة اللون والزمن.
** **
x: AL_KHAFAJII