صالح الشادي
يظل التمييز بين التبعية والتحالف من أكثر الإشكاليات المفاهيمية إلحاحا في تحليل العلاقات الدولية في هذا الزمن. فبينما يُسقط كثير من المراقبين والمحللين -خاصة في فضاءات التواصل الاجتماعي- مصطلح «التبعية» على أية علاقة تفاوتية بين الدول، فإن الفهم العميق لهذه المفاهيم يستدعي وقفة منهجية.
التبعية، في جوهرها، ليست مجرد تفاوت في القوة، بل هي حالة بنيوية تتجسد في انطواء دولة تحت مظلة أخرى، تفقد معها قدرتها على اتخاذ قرارها السياسي بشكل حر، ويصبح اقتصادها مرتهناً لقرارات المركز المهيمن. هذا النمط من العلاقات شائع في السياقات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، حيث تُستخدم آليات الدين، والتجارة غير المتكافئة، والإملاءات السياسية كأدوات للإخضاع.
أما التحالف، فمغزاه مختلف تماماً. إنه اتفاق -صريح أو ضمني- بين قوتين تحتفظان باستقلاليتهما السياسية وقدرتهما على الإدارة الذاتية لاقتصاديهما. التحالف لا يعني التماثل في القوة، لكنه يفترض وجود مصالح متقاطعة يقر الطرفان بالانفتاع من التعاون في إطارها، مع احتفاظ كل طرف بحق الخروج عندما تتعارض المصالح الجوهرية.
التاريخ الدولي حافل بنماذج تحالفات معقدة لم تَعنِ يوماً «الانكسار» أو «الانهزام» لأي من طرفيها.
فتحالفات ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وترتيبات الأمن الجماعي في جنوب شرق آسيا، وحتى التحالفات الكبرى في الحربين العالميتين، كلها أظهرت كيف يمكن لدول ذات سيادة أن تتعاون دون أن تفقد قرارها المصيري.
ما يُطرح اليوم في وسائل الإعلام ومنصات التواصل من اتهامات «بالانبطاح» لأي دولة تدخل في ترتيبات تحالفية، يعكس غالباً قصوراً في الفهم أو دوافع ذاتية لا علاقة لها بالتحليل الموضوعي. هذه الخطابات المراهقة أو الحاقدة تختزل علاقات دولية معقدة في شعارات جاهزة، متجاهلة أن مصالح الدول ليست انعكاساً بسيطاً للعواطف أو الانتماءات الأيديولوجية الجامدة.
المشكلة الأعمق تكمن في أن بعض الشعوب -والدول الهشة نفسياً- تتعامل مع واقعها كضحية أبدية، متجاهلة أن الخلل الحقيقي ليس في نوايا الآخرين، بل في بنية أوضاعها الداخلية. لا يمكن لدولة أن تبني تحالفات متوازنة وهي تعاني من فقر مدقع، أو جهل منتشر، أو اقتصاد هش لا ينتج سوى المواد الأولية. هذه الدول لا تدخل تحالفات بقدر ما تُستَلب إلى تبعيات، ليس لأن أحداً يكرهها، بل لأنها لا تملك أوراق قوة تمكنها من المساومة.
الزمن تغير، والعالم صار أكثر شفافية وقسوة في آن. لم يعد ممكناً التغطية على الضعف بالخطاب الحماسي، أو إخفاء التبعية بالشعارات الثورية. الدول التي تريد أن تصنع تحالفاتها المستقلة، عليها أولاً أن تصلح بيوتها: تعليم يحرر العقول، اقتصاد يولد القيمة ويحقق الاكتفاء، مؤسسات تحمي القرار الوطني من الابتزاز الداخلي والخارجي.
أما الاتهامات الزائفة والسخافات المذهبية أو القومية التي تُوظف لتمزيق المجتمعات، فهي مجرد ذرائع عفا عليها الزمن. العالم اليوم يقرأ بوضوح من يمتلك المشروع الحضاري الحقيقي ومن يعيش على هامش التاريخ. لقد ولى زمن الضعفاء والانتهازيين والطفيليين الذين يبحثون عن أعذار خارجية لهزائمهم الداخلية. التحالف خيار استراتيجي محايد، أما التبعية فمصير محتوم لمن يرفض مواجهة حقائق قوته الحقيقية.