عبدالعزيز صالح الصالح
الزمان ظرف تقاس به ديمومة الأفعال، وليس الأقوال، وليس الماضي والحاضر والمستقبل إلاَّ أجزاء متتابعة من هذا الزمان، فالكائن الحي في ذلك الزمان كائن تاريخي أقواله، وأفعاله، وعواطفه، وأخلاقه، وتواضعه، عناصر سير لا تنسى أبداً، وأن كل لحظة، أو برهة تقال أو تثار عن سيرتها الحياتية الماضية، تنحم عن ماضيها التليد، وترسم عن مستقبلها وأن سياق التَّاريخ ليس زماناً مفرغاً من حضورها، إنما هو مكان أيضاً تلعب فيه المرأة دورها ويحقق وجودها ومصيرها، وأن استعمال الشواهد والوثائق في هذا العصر يثير جانباً من جوانبها الغائبة عن أذهان محيطها الاجتماعيِّ، حيث يستشف الكل من إبداعاتها، وتصوراتها، التي حققتها في تلك الحقبة الزَّمنيِّة، ولكنَّها إذا ضمت إلى بعضها البعض ألفت كلمات وصار لهذه الكلمات معان ودلالات في نفوس المحيط بها – من خلال هذه المقدَّمة القصيرة المتواضعة سوف نتناول جانباً من سيرة والدة الأستاذ الفاضل/ خالد بن صالح العثيم - التي تدعى/ سارة العثيم يرحمها الله، بإظهار قيِّمة المعرفة عن حياة تلك المرأة العصامية.
بأسلوب التعبير عن الخواطر النَّفسيَّة وتصوير ما يجري في أعماق الإنسان من مشاعر وانفعالات وأسئلة وأجوبة وبين الأمور المحسوسة وغير المحسوسة مليئة بصور الأمل ومعاناة الألم - فقال لي لا أستطيع أن أخفِّي ولعي وحبي العميق لهذه الأم الحنون - ولا أستطيع أن أخفِّي الحزن والألم والحسرة والندم على رحيلها عن دنيانا - ولا أستطيع أن أخفِّي مآثرها فهي تمتاز بصفات عدَّة وخصال جميلة يميزها القلب والعقل وبعد النظر منذ أن تقابلها لأول وهلة... تبادلك بعبارات تفيض بأصدق المشاعر وتنبض بروح عامرة بالإيمان امرأة لا تعرف اليأس، والكسل، والتخاذل فقد جبلت على الحب.. والعطاء.. والنقاء.. والإيثار.. ونكران الذات.. والتفاني.. من أجل الآخرين، فقد خدمت أعمدة الأسرة خدمة لا مثيل لها بدون كلل ولا ملل.
فقد سارت في هذه الحياة دروباً شاقة وشائكة لقيت من خلالها الآلام والمتاعب والمشاق والأحزان، لكنها على درجة عظيمة من التحمل والصبر والجلد وتمكنت -بعد الله- من حلها بأساليبها المرنة والجادة، فكانت طوال حياتها مشعلاً يضئ طريق الخير للأبناء والبنات والأحفاد والأقارب والأرحام والجيران، وكان فكرها وأدبها وأخلاقها كلها مبنيةً على أساس متين من المبادئ الإسلاميَّة المثلى فهي تمتاز بألفاظ سهلة، ومعانٍ مبتكرة، فقد ملأت العيون نوراً وبهاءً، والقلوب سروراً وسعادة.
تشارك الأقارب والأحبة والجيران في الأفراح والأتراح - فهي منبع للخير والحنان.. أم واعية صاحبة المواقف الجيِّدة الصامدة.. تملك قلباً أرق وأنصع من قلب الطفل فهي تملك نظافة في اليد واللِّسان والقلب والخلق.. تجمع في شخصيتها اللِّين والصمود.. والصبر والعزَّة فهي التي لا تتقاعس ولا تتساهل ولا تتردد عن تلبية النداء لكل محتاج من أفراد الأسرة الذي يصل صوته إليهان حيث إنهَّا تارة تنسى نفسها في سبيل خدمة الآخرين في أغلب الأوقات.. فهي تملك شخصيَّة عالية من التواضع والأخلاق حيث إنها تقنعك بأسلوبها الرفيع وبطرحها الجميل، وبكلماتها الراقية وبفكرتها الطيبة، وتُشعرك في كل برهة، بحديثها المتناسق والمترابط، وتجعلك صاحب الفكرة المضيئة، وليست فكرتها حيث إنها تمتاز بالقدرة على إبراز الحقيقة بكل وضوح وشفافية وبكل ود ومحبَّة، وكلماتها حلوة مجنحة، تناقش في كل طريف وتليد لها أحاديثها ومحاورها واختلافاتها، وآراء مجتمعة ومتفرقة أولها الأصالة والإعجاب بكل رصين ونفيس، فإن كلماتها تتسلل إلى العقل والقلب وتجعلك تشعر أنك أكثر تحمساً وأشد إيماناً بما أرادت أن توضحه لك. فهي أم متفانية تعمل بمنزلها بهمة ونشاط وحيوية لا تكل ولا تمل ولا تشكو صاحبة النفس المشرقة والقلب الصادق النبيل.
هذه بعض من خصالها الجميلة، غفر الله لها وأسكنها فسيج جناته إنه سميع مجيب.