سلمان بن محمد العُمري
تُعد الصحة العامة والبيئة الغذائية السليمة حجر الزاوية في بناء مجتمع حيوي ومستدام، وهي المبدأ الذي تضعه قيادتنا الرشيدة والجهات ذات العلاقة في المملكة على رأس أولوياتها، وفي إطار سعيها الحثيث لضبط الأنظمة الغذائية وحماية الإنسان من أي تهاون قد يمس سلامته، شهدنا تحولاً نوعياً يعكس حزم الدولة في تطبيق معايير الجودة والسلامة.
وفي خطوة تنظيمية رائدة، دخلت عقوبات حوادث التسمم الغذائي الجديدة حيز التنفيذ رسمياً، معلنةً مرحلة جديدة من «الرقابة الصارمة»، ولم يعد هناك مكان لمبدأ الإنذار المسبق للمخالفين؛ فالسلامة الغذائية خط أحمر لا يحتمل التدرج في التنبيه.
وقد جاء هذا التحرك بناءً على قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للغذاء والدواء، المستند إلى قرار مجلس الوزراء، وبالتنسيق مع وزارة البلديات والإسكان. وبموجب هذا القرار، تم اعتماد جدول تصنيف مخالفات ملزمة لجميع منافذ البيع، والمصانع، وشركات النقل، لضمان سلسلة غذائية آمنة من المنتج إلى المستهلك.
وأبرز ما يميز هذه التعديلات هو الجانب الإنساني والعدلي فيها؛ ففي السابق، كانت الغرامات تذهب لخزينة البلدية، بينما يخرج المتضرر من الحادثة بآلامه ومصاريف استشفائه دون تعويض مباشر، أما اليوم فقد وُضعت الأمور في نصابها الصحيح، حيث شملت العقوبات الصارمة غرامات تصل إلى 60 ألف ريال تُدفع للمتضرر الواحد، وإلزام المنشأة المخالفة بتحمل مسؤوليتها المادية تجاه الضحايا.
بقدر ما يحفظ هذا القرار حقوق المتضررين، فإنه يستوجب أيضاً يقظة تامة من الجهات الرقابية لمنع أي استغلال سيء لهذه الأنظمة. فمن الضروري أن تكون هناك آليات دقيقة للتحقق من الحالات، لقطع الطريق على «ضعاف النفوس» الذين قد يلجأون للادعاء الكاذب أو الابتلاء لتحقيق كسب مادي محرم.
إن الحفاظ على سلامة الغذاء هو ممارسة يومية وثقافة مجتمعية، تعززها هذه الأنظمة الصارمة لتجعل من المملكة بيئة غذائية رائدة، تُحاسب المقصر، وتُنصف المتضرر، وتغلق أبواب التلاعب بالصحة العامة، ومع دخول فصل الصيف، ترتفع وتيرة المخاطر الصحية نتيجة سرعة تلف الأطعمة؛ ما يضاعف من مسؤولية الأسرة والمدرسة في توجيه الأبناء نحو الخيارات الغذائية الآمنة، وهنا يبرز دور وسائل الإعلام والمختصين في تكثيف حملات التوعية، وحث الناس على العودة إلى «مائدة المنزل» باعتبارها الحصن الأول للوقاية.