صالح الشادي
تظل القوة مفهوماً محورياً في العلاقات الإنسانية والدولية، فهي الضامن للأمن والاستقرار والحماية، لكن السؤال الجوهري ليس حول ضرورة القوة، بل حول طبيعتها وأشكالها، وحول كيفية توظيفها في سياقات عدم التكافؤ.
عندما تتوفر القوة المكافئة، يصبح استرداد الحق المسلوب أمراً ممكناً عبر المواجهة المباشرة، لكن المشكلة تنشأ حين يكون التفاوت شاسعاً، وهنا يبرز مفهوم القوة الموازية التي لا تقل تأثيراً عن القوة العسكرية. لقد أثبت التاريخ الحديث أن المؤسسات الدولية المعنية بالحقوق والعدل والنزاعات -رغم قصورها أحياناً- أسهمت في كثير من الحالات باستعادة حقوق لم تكن لتستعاد عبر المواجهة العسكرية.
شعوب ودول وكيانات عديدة لم تمتلك الجبروت العسكري لكنها استعادت حقوقها التاريخية وحققت مطالبها دون سفك دماء. جنوب أفريقيا نموذج فارق: نظام الفصل العنصري الذي بدا منيعاً لم يسقط بفضل مواجهة مسلحة غير متكافئة، بل عبر عقود من الصبر، والحجة المقنعة، والقوى الناعمة التي تجلت في الفن والمحاضرات والدبلوماسية، وبتعاطف عالمي واسع مع قضية عادلة. القانون والحق العالمي كانا السلاحين الأكثر فاعلية.
الحروب -خصوصاً حين تكون غير متكافئة- قد لا تحقق ما يحققه الصبر والعقل.
كثير من الفئات المستضعفة أو التي سُلبت أراضيها خاضت معارك بدون قوة مكافئة، فَنَزَفَت وخسرت الكثير، ولا تزال تعاني. غزة مثال مؤلم: غياب التكافؤ العسكري واضح، وما قد يبدو انتصاراً نفسياً أو ثوراناً عاطفياً وقتياً هو في المحصلة قد يسبب الهلاك أكثر من الفوز. التغني بالبطولات وعدد الشهداء والمهجرين لا يصنع شيئاً ملموساً إذا غابت إستراتيجية الخروج من دائرة الألم. لكن العقلانية المطلوبة هنا لا تعني الحياد عن الهدف أو الاستسلام النفسي. الإيمان بقوة الحق يظل الركيزة الأساسية، وعدم الاستسلام يعني التمسك بالهدف مهما طال الزمن. العقلانية الحقيقية تقتضي حساب حجم الخسائر والمكاسب بدقة، وأن يكون الصبر استراتيجياً لا سلبياً، وأن تظل المقاومة بكل أشكالها -الناعمة والصامدة- قائمة دون أن تتحول إلى مغامرة مستنزفة، إنه التوازن بين الإصرار على الحق والوعي بموازين القوة الفعلية. العالم اليوم أكثر وعياً وتنظيماً. اللجوء إلى العقل، والإعلام، والمنطق، والحجة، والمطالبات العادلة، والصبر الطويل الإستراتيجي قد يحقق الكثير، هذا ليس تفريطاً في القضية، بل إدراك أن الهدف النهائي هو تحرير الأرض والإنسان، وليس استنزاف الدماء دون أفق. القوة ضرورية لحماية النفس، لكن دون الانزلاق إلى مغامرات خاسرة.
القوة العاقلة هي التي تعرف متى تواجه ومتى تحاصر، ومتى تصرخ ومتى تخاطب العالم بلغة يفهمها، مع بقاء البوصلة ثابتة نحو الحق مهما تنوعت الوسائل. العبرة ليست بكمية الدماء المسفوحة، بل بجودة الحياة التي تُبنى بعد النضال، وبقدرة الشعوب على المزج بين الصمود والذكاء الإستراتيجي.