صبحي شبانة
في أعقاب الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، يدخل الشرق الأوسط مرحلة بالغة التعقيد، لا يمكن توصيفها بمجرد «ما بعد الحرب»، بل بوصفها لحظة انتقالية مفتوحة على احتمالات واسعة، تتداخل فيها الكلفة الإنسانية الفادحة مع صراع لم تُحسم ملامحه النهائية بعد، فبرغم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش، فإن المنطقة لا تبدو أقرب إلى الاستقرار، بقدر ما تبدو عالقة في حالة «لا حرب ولا سلام»، حيث تتراكم التداعيات وتتشابك الأزمات في مشهد مرشح لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية لسنوات مقبلة، وفي خضم هذا التعقيد، تبرز الجهود السعودية كعامل محوري لاحتواء التصعيد ودفع الأطراف نحو مسار تفاوضي يحد من مخاطر الانفجار الإقليمي.
الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل شكلت لحظة انفجار إقليمي أعادت تعريف مفهوم الردع وحدود الاشتباك، ودفعت المنطقة كلها إلى حافة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة متعددة الساحات، فعلى امتداد الجغرافيا الممتدة من إيران إلى لبنان وغزة، لم تتوقف العمليات عند الأهداف العسكرية، بل تجاوزتها إلى بنى تحتية مدنية حيوية، ما أدى إلى دمار واسع طال شبكات الكهرباء والمياه، والمستشفيات، والمدارس، والجسور، ومحطات الطاقة، وأدخل المجتمعات في دوامة إنسانية خانقة تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.
في إيران، ورغم قدرة النظام على امتصاص الضربة الأولى والحفاظ على جزء كبير من بنيته العسكرية والردعية، فإن الكلفة الداخلية كانت ثقيلة على نحو غير مسبوق، فقد تعرضت منشآته الحيوية للقصف والدمار، ما أدى إلى تراجع واضح في قدرة الدولة الايرانية على تقديم الخدمات الأساسية، وتعطّل جزئي في قطاعات الصحة والطاقة والنقل، وبينما سعى النظام إلى تعزيز وترسيخ خطاب الصمود والسيطرة، فإن الواقع الاجتماعي والاقتصادي يكشف عن ضغط متزايد قد يترك آثارًا ممتدة تتجاوز زمن الحرب نفسه، خصوصًا مع اتساع فجوة الاحتياجات الإنسانية.
أما في الساحات العربية المشتعلة، فقد كان لبنان وغزة من أكثر المناطق تأثرًا بموجات التصعيد، حيث أعادت الحرب إنتاج دوائر العنف ولكن بدرجة أعلى من التعقيد والتداخل، في لبنان، بدا المشهد وكأنه عودة إلى استنزاف طويل ينهك الدولة ومؤسساتها، ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والمعيشي، وفي غزة، تعمقت المأساة الإنسانية بصورة جعلت الأزمة تتجاوز حدود الصراع السياسي التقليدي إلى كارثة إنسانية مفتوحة، تتطلب استجابة دولية تتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى منطق إنهائها جذريًا.
وفي المقابل، لم تكن دول الخليج بمنأى عن هذه التحولات، رغم عدم انخراطها المباشر في العمليات العسكرية، فقد انعكست تداعيات الحرب على منظومة الأمن الإقليمي، وعلى أسواق الطاقة، وعلى حسابات الردع والتوازن، ما دفع هذه الدول إلى إعادة تقييم شاملة لخياراتها الاستراتيجية، لقد بات واضحًا أن أي اضطراب واسع في الشرق الأوسط لم يعد حدثًا محليًا، بل تحولًا يمس الأمن الدولي وممرات الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وسط هذا المشهد المعقد و المتشابك، برز الدور الذي اضطلعت به المملكة العربية السعودية بوصفها قوة إقليمية محورية تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة مفتوحة، فقد تحركت الرياض عبر قنوات دبلوماسية متعددة، إقليمية ودولية، في محاولة لوقف نزيف الدم، واحتواء تداعيات المواجهة، والدفع باتجاه إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض بدل الانزلاق إلى مزيد من التصعيد العسكري.
وقد عكست هذه الجهود رؤية سعودية واضحة تقوم على أن استقرار منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة إستراتيجية تمس أمن منطقة الشرق الأوسط والعالم، وانطلقت هذه الرؤية من إدراك عميق بأن استمرار الحرب سيقود إلى تفكك إضافي في البنية الإقليمية، وإلى موجات جديدة من عدم الاستقرار، قد لا تكون أي دولة بمنأى عن تداعياتها، ومن هنا، جاءت التحركات السعودية في إطار دبلوماسية نشطة هدفت إلى بناء أرضية مشتركة لخفض التصعيد، وفتح قنوات دبلوماسية من الحوار التدريجي الممنهج بين الأطراف المختلفة.
وقد لعب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دورًا محوريًا في هذا السياق، من خلال تكثيف الاتصالات الإقليمية والدولية، والدفع نحو صياغة مقاربة سياسية جديدة تقوم على تغليب منطق الحلول الدبلوماسية على منطق الحرب، وقد ارتكز هذا النهج على قناعة راسخة بأن الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط لم تعد تنتج منتصرين، بل تعمّق من الأزمات وتطيل من أمد الصراعات وتضاعف من الكلفة الإنسانية والاقتصادية على جميع الأطراف دون استثناء.
وفي هذا الإطار، برزت الدعوات السعودية المتكررة إلى ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات كخيار وحيد قابل لوضح حد للحرب واحلال السلام، بعيدًا عن منطق التصعيد المتبادل، كما تم التأكيد على أهمية إشراك الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في أي تسوية مستقبلية، بما يضمن معالجة جذور الأزمة وليس فقط مظاهرها العسكرية، وقد اكتسب هذا الدور السعودي زخمًا إضافيًا بالنظر إلى مكانة المملكة السياسية والاقتصادية، وقدرتها على بناء جسور تواصل مع مختلف الأطراف المتناقضة في الإقليم.
أما في واشنطن، فإن النقاش لا يزال محتدمًا حول نتائج الحرب وتداعياتها الاستراتيجية، فبين من يعتبر أنها أعادت ترميم الردع الأميركي في المنطقة، ومن يرى أنها فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتكشف أسئلة أعمق حول مستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط وحدود استخدام القوة العسكرية في إدارة الأزمات المعقدة، وفي تل أبيب، تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية الداخلية، في ظل محاولة إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي بعد تجربة حرب طويلة ومكلفة على أكثر من جبهة.
لكن الأخطر في المشهد الراهن أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته، لا يبدو سوى هدنة مؤقتة في صراع لم تُعالج أسبابه البنيوية، فغياب تسوية سياسية شاملة، واستمرار تراكم ملفات التوتر القديمة، يعني أن المنطقة لا تزال تقف على أرض رخوة، يمكن أن تنزلق مجددًا إلى جولات جديدة من التصعيد في أي لحظة، إذا لم يتم الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها بشكل جذري.إن ما بعد هذه الحرب ليس عودة إلى ما قبلها، بل دخول في مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة الاستقرار، ولم يعد الردع التقليدي قادرًا على ضبط موازين القوى وحده، فالمعادلة باتت أكثر تعقيدا وتشابكًا، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالبنية الاجتماعية، والمصالح الدولية بالتوازنات الإقليمية الدقيقة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة إقليمية جديدة تعيد تعريف مفهوم الأمن الجماعي، وتؤسس لآليات مستدامة لإدارة الخلافات بعيدًا عن منطق الصدام المفتوح، وهنا يبرز مجددًا الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في الدفع نحو بناء منظومة استقرار تقوم على الحوار والتفاهم والردع المتبادل غير التصادمي، بما يضمن حماية مصالح دول المنطقة وصون أمن شعوبها.لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد تحتمل مزيدًا من الحروب المفتوحة، وأن تكلفة الصراع باتت أعلى من قدرة أي طرف على تحمّلها، ومن هنا، فإن تحويل هذا الانفجار الإقليمي إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر استقرار لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة ملحة تفرضها الوقائع على الأرض.ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تنجح الجهود الدبلوماسية، وفي مقدمتها الجهود السعودية، في دفع الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة تنهي دوامة العنف، أم أن المنطقة مقبلة على دورة جديدة من إعادة إنتاج الصراعات بأشكال أكثر تعقيدًا وتشابكًا؟،
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل منطقة الشرق الأوسط، بل أيضًا موقعها في النظام الدولي الجديد، في عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة متسارعة، ولا يملك فيه من يتأخر عن لحظة التحول سوى دفع ثمن باهظ من استقراره ومستقبله.