وائل الغول
في الوقت الذي تضخ فيه إسرائيل واحدًا من أكبر إنفاقها الدعائي في تاريخها الحديث، تبدو النتيجة على الأرض أقرب إلى مفارقة صادمة: كلما زاد الإنفاق.. تراجعت القدرة على الإقناع.
خصصت إسرائيل نحو 730 مليون دولار للدبلوماسية العامة (الهاسبارا)، في رهان واضح على فكرة واحدة: شراء التأثير الإعلامي عالميًا. لكن ما يحدث فعليًا يشير إلى اتجاه مختلف تمامًا: أزمة ثقة لا تُشترى ولا تُدار بالمال.
مليارات لصناعة الصورة
بحسب تقارير إعلامية، ارتفعت ميزانية الدبلوماسية العامة الإسرائيلية في 2026 إلى نحو 730 مليون دولار، مقارنة بعشرات الملايين فقط قبل حرب غزة.
وفي هذا الإطار، تحركت إسرائيل عبر:
* حملات رقمية واسعة.
* استهداف منصات التواصل الاجتماعي.
* استضافة وفود مؤثرة.
* توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الإعلامي.
لكن في المقابل، كان العالم يتحرك في الاتجاه المعاكس: جمهور أكثر تشككًا، منصات أكثر انفتاحًا، وصور ميدانية أقوى من أي بيان رسمي.
الصدمة الرقمية
الحملات الموجهة لجيل الشباب على منصات مثل تيك توك وإنستغرام لم تحقق التأثير المتوقع، بل في كثير من الحالات جاءت النتيجة عكسية:
* المحتوى الرسمي واجه رفضًا واسعًا، بينما المحتوى القادم من مناطق النزاع انتشر بوتيرة أسرع بكثير.
وفي هذا الفضاء الجديد، أصبحت القاعدة واضحة:
لا أحد يملك زر الإقناع .
“الهاسبارا” الساخرة
كان مصطلح “الهاسبارا” يعني الدبلوماسية العامة الإسرائيلية. لكن في البيئة الرقمية اليوم، تحول إلى مصطلح ساخر يُستخدم للإشارة إلى الدعاية الرسمية.
وهنا يبدأ الانكسار الحقيقي: عندما تتحول اللغة نفسها إلى دليل ضد صاحبها.
تحولات إستراتيجية
خلال تغطية حرب غزة، ظهرت تصدعات واضحة داخل مؤسسات إعلامية كبرى مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وسي إن إن ونيويورك تايمز، بين:
* انتقادات داخلية لسياسات التحرير.
* اعتراضات من صحفيين.
* توسع في استخدام لغة أكثر نقدًا في التغطية
وفي جامعات مثل هارفارد وكولومبيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تحولت النقاشات إلى مساحة صدام مفتوح حول الإعلام والسردية والانحياز.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة: لم تعد السردية الإسرائيلية هي السردية الوحيدة حتى داخل الإعلام الغربي نفسه.
الأرقام لا تُجامل
تشير بيانات مركز بيو للأبحاث إلى:
* نحو 60 % من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
* تراجع واضح بين الفئات العمرية الأصغر.
* اتساع الفجوة بين الأجيال في تقييم الصراع.
وفي استطلاعات غالوب 2026:
* تراجع الدعم داخل بعض القواعد التقليدية.
* تصاعد الاستقطاب السياسي حول الملف الإسرائيلي.
* تآكل “الاصطفاف التقليدي” داخل أمريكا.
تقارير تحليلية تشير إلى:
* تراجع الدعم بين الديمقراطيين بشكل حاد.
* تراجع واضح بين الشباب تحت 35 عامًا.
* بداية اهتزاز داخل بعض القواعد التقليدية الداعمة لإسرائيل.
بل إن بعض الدراسات السياسية ترى أن إسرائيل تواجه لأول مرة خطر: فقدان “الإجماع الحزبي” في السياسة الأمريكية.
وفي تطور لافت: نفس الاستطلاع أظهر تحولًا تاريخيًا في التعاطف داخل الولايات المتحدة، حيث تقارب التعاطف مع الفلسطينيين والإسرائيليين لأول مرة تقريبًا؟.
الدلالة:
هذا ليس تراجعًا عابرًا، والتحول لم يعد لحظيًا.. بل اتجاهًا ممتدًا، لإعادة تشكيل عميقة لاتجاهات الرأي العام داخل أهم حليف استراتيجي لإسرائيل.
تآكل دولي للتبييض
وفق تحليل أكاديمي لمؤشرات المكانة الدولية:
* إسرائيل تراجعت في 42 دولة من أصل 43 في صورة الرأي العام خلال سنوات قليلة.
* انخفاض حاد في “الصورة الذهنية الدولية”.
* ارتفاع الدول التي تُسجل مواقف سلبية في الأمم المتحدة ضد السياسات الإسرائيلية.
دراسات وتحليلات تشير إلى أن ما بعد حرب غزة أدى إلى:
* انهيار جزء كبير من التعاطف الغربي التقليدي.
* صعود خطاب نقدي داخل الإعلام الغربي نفسه.
* تحوّل السردية من “دفاعي” إلى “اتهامي” في كثير من التغطيات.
الدلالة:
الأزمة لم تعد غربية فقط.. بل تحول عالمي في الإدراك السياسي والإعلامي.
الرواية المستحيلة
جزء من فشل “تبييض الوجه” لا يتعلق بالإنفاق أو الأدوات، بل بطريقة صناعة الرواية نفسها.
خلال السنوات الأخيرة، اعتمد الخطاب الإسرائيلي على نمط مباشر ومكثف من الرسائل السريعة والهجوم على الطرف الآخر.
وتبنّى هذا التوجه المتحدثون العسكريون الإسرائيليون وبعض الوجوه الإعلامية الناطقة بالعربية، لكن المشكلة كانت أعمق.
في عالم يُمكن فيه الوصول إلى:
* صور مباشرة.
* بيانات مفتوحة.
* تقارير لحظية من الأرض.
لم يعد الخطاب الأحادي قابلاً للتصديق.
وبذلك انكشفت حقيقة تقديم روايات متضاربة متناقضة غير منسجمة ولا منطقية في بيئة معلومات مفتوحة بالكامل.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية:
لم تعد المشكلة أن الرواية غير مسموعة.. بل إنها لم تعد قابلة للتصديق أصلًا.
السياسة تسبق الصورة
الأزمة أعمق من الإعلام نفسه:
لا يمكن إصلاح صورة إذا كانت الوقائع اليومية تنتج نقيضها باستمرار.
بمعنى أبسط:
* الرسالة تحاول التفسير أو التبرير، بينما الواقع يفرض رواية مختلفة تمامًا.
النتيجة:
الرسالة المسيسة تصبح عاجزة عن منافسة الصورة التي تصنعها الأحداث الحقيقية لحظة بلحظة.
حرب المصداقية
ما يحدث اليوم لم يعد صراع روايات، بل تحول جذري:
* تراجع في الثقة.
* تشكك في المصدر.
* وإعادة تقييم للرواية نفسها.
الانتقال الأخطر: من خلاف على التفسير.. إلى خلاف على الحقيقة نفسها.
ورغم الإنفاق غير المسبوق، والأدوات المتقدمة، والشبكات الإعلامية الواسعة، يبدو المليارات جاءت بنتائج عكسية.
سياسة “تبييض الوجه” لم تفشل لأنها ضعيفة تقنيًا.. بل لأنها تصطدم بعالم لم يعد يقبل رواية جاهزة دون فحص وتدقيق.
وفي النهاية يبقى السؤال: هل ما زالت الصورة قابلة للتحسين أصلًا.. إذا كان الواقع نفسه يحطم أي محاولة لتجميلها؟