جانبي فروقة
تخيّل أنك تقف داخل متجر كبير وكل حركة يقوم بها الزبون ترصد وتُسجَّل: ما يشتريه، ما يتجاهله، وما يتردد أمامه قبل أن يختاره والمفاجأة اليوم ليست فقط في جمع هذه البيانات بل في سرعة تحليلها فبعد أن كنا ننتظر أسابيع لتحلل في مكاتب بعيدة باتت تتحول إلى عروض ذكية أمام الزبون بعد أن يفهم النظام أن الزبون يفضل خصما 10% على القهوة لا على الشكولاته، وهذا ليس خيالا علميا بل واقع يحدث اليوم في أسواق حقيقية تقوده شركات تعرف كيف تحول البيانات إلى قرارات فورية. نحن نعيش اليوم لحظة مختلفة تماما فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ضيفا على طاولة الأعمال بل أصبح صاحب المنزل والقصص القادمة من داخل غرف القرار في كبرى الشركات العالمية تكشف أن ما يجري ليس مجرد تحديث تقني بل إعادة بناء جذرية لفلسفة العمل بأسرها.
وفي مثال حي تقدم شركة ريكيت Reckitt (عملاق منتجات الرعاية الصحية المنزلية) منهجية التسعير الذكي، وكيف أصبحت البيانات هي مدير التسعير حيث إن قرارات التسعير كانت تُتخذ تاريخيا في غرف منفصلة وعبر تقنيات متشتتة بمعلومات منقوصة وبتحليلات تستغرق أياما وتعتمد على الحكم الفوري لكن مع اشتداد ضغوط الأسعار والمنافسة قرر قادة الشركة وبرؤية جريئة أنهم لا يريدون تحسين الأداء فقط بل القفز إلى مستوى مختلف ومتطور أكثر بنشر قدرات جديدة بسرعة وتضمنيها عبر وظائف تجارية متعددة وخلق طريقة عمل جيدة جوهريا فأطلقوا مشروع RGMx وهي أداة ذكاء اصطناعي طورتها ريكيت بالشراكة مع ماكنزي تغذى بملايين نقاط البيانات وتنتج قرارات تسعيرية دقيقة حيث كانت قرارات التسعير تتخذ في جداول بيانات وتناقش في عزلة أصبح بإمكان القادة الآن إجراء تحليلات سيناريو متقنة بنظرة شمولية ، وعلق فاران كاكاريا المدير التنفيذي للمعلومات في ريكيت لأمريكا الشمالية قائلا: «لم يكن الأمر يتعلق بجلب حل تقني يرفع الأداء بل أردنا دمجه في عملية التخطيط التجاري ليُعيد تشكيل صنع القرار ويُنشئ قيمة ملموسة.»
وهذا فعلا ما حصل فقد لمست ريكيت تحسنا في الربحية وحققت عائد أقوى على الاستثمار في العروض الترويجية، وما هو أعمق من الأرقام هو التحول الثقافي فلم تعد فرق المبيعات والتسويق تنظر إلى التحليلات باعتبارها إضافة بل باعتبارها جزءاً أساسياً من كيفية حدوث التخطيط.
وقدمت شركة توشيبا تيك Toshiba Tech نموذجا أيضا يحتذى به ففي عام 2024 رأت توشيبا تيك فرصة محورية لإعادة اختراع نفسها ليس فقط كصانع أجهزة بل كمحرك ذكاء شريك للجيل القادم في عالم التجزئة حيث كانت أنظمتها تتعامل مع ملايين المعاملات اليومية مولدة كنز من البيانات الضخمة التي كانت تعالج تاريخيا عبر تحليلات معتمدة على المعالج المركزي بطيئة وخطية وغير قادرة على الرؤى الفورية لذلك كانت تدعى «البيانات النائمة» وبشراكة مع انفيديا وماكنزي استبدلت المعالجات التقليدية بمسرعات GPU فائقة السرعة وتقنيات ذكاء اصطناعي متطورة حققت سحر اللحظة وأعادت تعريف تجربة التسوق فجعلت العروض الترويجية ديناميكية تتغير بناء على سلوك العميل داخل المتجر في تلك اللحظة فالنظام بات يفهم سلوك العميل الذي يتسوق بين الرفوف ويتم توليد عرض مخصص له في نفس اللحظة فإذا تردد أمام منتج يظهر له عرض وإذا تجاهل عرض يتم تعديل العرض بلحظتها.
وبعيدا عن عالم المنتجات الاستهلاكية وعلى ضفاف نهر الأمازون نجد تجربة شيقة لبنك أعاد تجديد نفسه وهو بنك بيتشينشا Pichincha وهو أكبر بنك في الإكوادور حيث كان يواجه تحديات وجودية ففي عام 2018 م كان البنك البالغ من العمر 118 عاما الأقل كفاءة في منطقته وكانت حصته السوقية تتآكل ببطء مع خروج آلاف العملاء لكن التحدي الأكبر كان أن نسبة الاكواديريين لا يملكون حسابا مصرفيا لأنهم يشعرون أن البنوك التقليدية ليست لهم والقرار كان جذريا وهو بناء جديد كليا فولدت منصة Deuna وهي كيان مستقل تماما بروح ناشئة وتقنية متطورة حيث تم بناء محفظة رقمية تمكن العملاء من إجراء المشتريات وتحويل الأموال من أجهزتهم المحمولة وكما قدمت المنصة حلول دفع رقمية للتجار الصغار الذين كانوا يفتقرون سابقا للخدمات المصرفية وبلغ اليوم عدد مستخدمي منصة Deuna مليونا مستخدم نشط شهريا وأكثر من 500 الف تاجر يقبلون المدفوعات الرقمية عبر الإكوادور وصار البنك رمزا للشمول المالـي.
ما يحدث اليوم في عالم الأعمال ليس موجة عابرة بل تحول جذري تقوده الأرقام بوضوح حيث أن 87% من تجار التجزئة يؤكدون أن الذكاء الاصطناعي ساهم في زيادة إيراداتهم و94% يرون أنه خفّض تكاليف التشغيل وهذه ليست تحسينات بسيطة بل إعادة تعريف لكيفية تحقيق الربح.
الأهم أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة والمستهلك اليوم يفضل استعمال الذكاء الاصطناعي حيث أن 71% من المستهلكين يفضلون دمج الذكاء الاصطناعي في تجربة التسوق وخصوصاً الأجيال الشابة التي ترى في التوصيات الذكية خدمة توفر الوقت وتفهم احتياجاتها دون تعقيد لذلك أنظمة التوصية المدعمة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن ترفع معدلات التحويل بنسبة تصل إلى 288% وتزيد الإيرادات بنحو 25% وهنا لا نتحدث عن تحسين تجربة المستخدم فقط بل عن تغيير جذري في اقتصاديات البيع.
وعلى مستوى الشركات الكبرى نرى هذا التحول بوضوح فعملاق التجزئة في أمريكا وول مارت Walmart، على سبيل المثال، يستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط لتحليل البيانات بل لاتخاذ قرارات حقيقية من التفاوض مع الموردين إلى إدارة سلاسل الإمداد أثناء الأزمات فحتى تحسين بنسبة 1.5% في التكاليف الذي حققته وول مارت يمكن أن يعني مئات الملايين من الدولارات في هذا الحجم (حيث بلغ مبيعات وول مارت في عام 2025م ما يزيد عن 713 مليار دولار ) ورغم كل ذلك يبقى التحدي الأكبر ليس في التقنية، بل في الإنسان حيث أن التحول الحقيقي يحدث عندما تتغير طريقة التفكير داخل المؤسسات والمعركة الحقيقية هي تطوير خطة تجيب على سؤالين محوريين وهما كيف يثق فريق تقليدي بنظام ذكي؟
وكيف يتحول الخبراء من صانعي قرار إلى شركاء مع الخوارزميات؟
إن ثورة الذكاء اللاصطناعي لم تعد حكرًا على الشركات العملاقة فالأدوات أصبحت متاحة للجميع ومن يستخدمها اليوم يحقق تفاعلاً أعلى ونمواً أسرع والتاريخ يعلّمنا أن كل ثورة تبدأ بالخوف، ثم التكيّف، ثم الإبداع.
والذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن العقل البشري، بل هو أقوى أداة لتضخيم قدرته وفي النهاية، النجاح لن يكون لمن يمتلك التقنية فقط بل لمن يعرف كيف يجمع بين البيانات والحكمة في تفسيرها.
** **
- كاتب أمريكي