عايض بن خالد المطيري
في غضون يومين فقط، وصلتني رسالتان؛ عبر وسائل التواصل الأولى مثقلة بالندم، والثانية مشبعة بوعيٍ هادئ. وبينهما تتجسد حكاية اجتماعية طويلة، ظلّت تُروى بصمت، حتى بدأت أخيرًا تجد من يكتب فصلها الجديد بصوتٍ أعلى.
الرسالة الأولى كانت صريحة إلى حد القسوة رجل متزوج منذ أكثر من عقد، يعترف بأن أكبر أخطائه لم يكن قرار الزواج، بل طريقة الاحتفال به. ساعات معدودة كلّفته ربع مليون ريال، انتهت كما تنتهي الولائم الكبيرة ضجيج مؤقت، وصور تُنسى، وديون تبقى. لم يكن يتحدث عن رقم بقدر ما كان يصف شعورًا متأخرًا بأن المال الذي أُحرق في أمسية واحدة كان أولى أن يكون رصيد استقرارٍ لأسرة ناشئة. لغة الندم هنا ليست فردية، بل تمثل شريحة واسعة تجرأت مؤخرًا على الاعتراف بما كان يُخفى خلف ابتسامات الصور التذكارية.
يومين وجاءت الرسالة الثانية بنبرة مختلفة تمامًا. لا شكوى، ولا تبرير، بل إعلان هادئ عن قرار محسوب إقامة الزواج في المنزل، والاكتفاء بدعوة الأسرتين، مع اعتذار لبق لمن لم تشملهم الدعوة. الرسالة لم تكن مجرد دعوة، بل بيان اجتماعي صغير، يطرح نموذجًا بديلًا دون صدام، ويطلب تفهمًا بدلًا من موافقة صاخبة. اللافت هنا أن أصحاب القرار لم ينشغلوا بما سيقال عنهم، بقدر ما انشغلوا بما سيبقى لهم. المفارقة بين الرسالتين لا تكمن في الفارق المالي فحسب، بل في التحول الذهني. الأولى تعكس مجتمعًا كان يُدار بمنطق “ما سيقوله الناس”، بينما الثانية تشير إلى بداية تشكّل وعي جديد يعيد تعريف “الوجاهة” بعيدًا عن المظاهر المكلفة. هذا التحول لا يأتي من فراغ؛ فالتقارير الصادرة عن جهات إحصائية رسمية في السعودية، مثل الهيئة العامة للإحصاء، تشير إلى أن تكاليف الزواج تُعد من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الشباب، ما ينعكس على تأخر سن الزواج وارتفاع الأعباء المالية في سنواته الأولى. ورغم تعدد المبادرات الرسمية والمجتمعية الداعية إلى التيسير، إلا أن العائق الحقيقي ظلّ اجتماعيًا أكثر منه اقتصاديًا. فالمشكلة لم تكن في القدرة على التخفيف، بل في الجرأة على كسر النمط. وهنا تحديدًا تبرز قيمة الرسالة الثانية؛ فهي لا تقدم حلاً نظريًا، بل ممارسة عملية قابلة للتكرار. ذلك أن التغيير في مثل هذه القضايا لا يُفرض بقرارات، بل ينتشر بالقدوة.
المفارقة الساخرة، إن جاز التعبير، أن كثيرًا ممن يبالغون في تكاليف حفلات الزواج، يفعلون ذلك خشية الانتقاد، بينما الواقع يُظهر أن الانتقاد ذاته لا يتوقف حتى مع أقصى درجات البذخ. بمعنى آخر، يدفع البعض ثمنًا باهظًا ليحصل على رضا مؤقت، لا يلبث أن يتبخر، تاركًا خلفه التزامات طويلة الأمد.
الحل لا يحتاج إلى تنظير مطوّل، بقدر ما يحتاج إلى اتفاق ضمني يتوسع تدريجيًا. أن تتبنى العائلات خيار الزواجات المختصرة، وأن تُعلن ذلك بثقة، وأن يُقابل المجتمع هذه الخطوات بالتقدير لا بالاستغراب. كما أن للمؤسسات الإعلامية والدعوية دورًا في إعادة تشكيل الصورة الذهنية للزواج الناجح، بوصفه مشروع استقرار لا مناسبة استعراض.
ما بين رسالة ندمٍ متأخرة، ورسالة وعيٍ مبكر، يقف المجتمع أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولوياته. ليس المطلوب إلغاء الفرح، بل تحريره من كلفة لا تضيف إليه قيمة. فالأعراس التي تبدأ بديون، غالبًا ما تدفع ثمنها الحياة الزوجية لاحقًا، بينما تلك التي تُبنى على الاعتدال، تمنح أصحابها فرصة أن يبدأوا من حيث يجب الاستقرار لا الاستنزاف.
الرسالة الأهم أن التغيير ليس فكرةً تُقال، بل موقفٌ يُحسم حين نجرؤ على كسر قيد اللحظة، وننحاز لصدقنا فوق ضجيجها. فليس كل ما اعتدناه قدرًا يُتّبع، ولا كل ما يُقال عنا يستحق أن نُقايضه بأثمانٍ باهظة. البداية الحقيقية لا تولد في البعيد، بل هنا..
في تلك اللحظة الصامتة التي نختار فيها أنفسنا بوعي، ونمضي، حتى لو خالف خطونا كل تصفيقٍ لحظي.