د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الخزي يستمد قوته من خوفنا من انكشافنا وعدم تقبلنا»
-بيرنييه براون-
* * *
سأحكي لكم اليوم قصة «جوليان سوريل» التي ذكرها المؤلف البريطاني الان دو بوتون في كتابه «السعي إلى المكانة» لأنها قصة رمزية تبرز كيف أن هوس الإنجاز يدمر الإنسان حين تسجنه المقارنة بين قضبان نجاحات الآخرين وتقييم المجتمع.
قصة «جوليان» كتبها الأديب الفرنسي ستاندال في روايته «الأحمر والأسود» التي هي تشريح للمجتمع الفرنسي بتناقضاته وتعتبر من أعمق الروايات الفرنسية.
نعود لـ«جوليان» الشاب الطموح وابن النجار الفقير الذي يعيش في مجتمع حديث يقيم الناس حسب نجاحاتهم، ولذلك كان «جوليان» يسعى ليثبت للمجتمع أنه شخص مهم ومفيد..
لكن شعوره بالقلق والضغط النفسي ونظرته الدائمة إلى الأثرياء والناجحين أفسدت وسائله للوصول إلى النجاح، فالآخرون من حوله ينجحون وهو لم يصل بعد إلى النجاح الذي يريد.
اليوم في عصر سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي نعيش حياتنا بين صور لنجاحات متلاحقة، وإنجازات تُعرض وكأنها القاعدة لا الاستثناء، ولذلك بدأ بعضهم بشكل غير واعٍ بمقارنة حياته الهادئة بلحظات الآخرين الصاخبة، ليس لأنه فشل... بل لأنه يشعر بأنه بعيد عن الأضواء عن التأييد.
من البساطة إلى القلق
الذي يحدث جراء عرض مواقع التواصل لنجاحات الآخرين بتلميع مبالغ لقصص الأثرياء وصناع المال والشهرة هو تسلل شعور خفي لدينا بالانتباه إلى أنه لم نكن مميزين... فنحن غير مرئيين.
ويتحول الطموح إلى عبء، والسعي إلى النجاح ضغط نفسي، وشرط للشعور بالقيمة.
نُرهق أنفسنا لنبدو مختلفين، ليس لأننا نريد هذا الاختلاف بل لأننا نخاف ألا نكون كافيين، وهنا، يتحول الطموح من دافع... إلى عبء.
ما الذي نخافه حقًا؟
هل نخاف العادية؟
أم نخاف ألا يلتفت إلينا أحد؟
أن نمرّ في حياة الآخرين، دون تصفيق، دون ضجيج، دون أن نُلاحظ؟
ربما الخوف ليس من أن نكون عاديين... بل من ألا نشعر بقيمتنا لدى الآخرين.
قلق المكانة الاجتماعية
ما هو «قلق المكانة»؟
سؤال عميق تمحور حوله كتاب «قلق السعي إلى المكانة» الذي افتتحت به المقالة..
الكتاب يدور حول سؤال بسيط لكنه مؤلم، لماذا نخاف من نظرة الآخرين لنا؟ لماذا نسعى إلى إعجابهم وننتظر تقييمهم؟
يرى «آلان دو بوتون» أن الإنسان لا يسعى للمال أو النجاح فقط... بل يسعى في جوهره إلى التقدير من المجتمع، فينشأ قلق المكانة الذي هو الخوف من عدم القدرة على تحقيق معايير النجاح التي يفرضها المجتمع، أو الخوف من خسارة المكانة الاجتماعية الحالية..
أي أننا لا نقلق لأننا فشلنا فعلًا... بل لأننا قد نبدو فاشلين أمام الآخرين.
لماذا نشعر بهذا القلق؟
1- الحاجة إلى الحب والتقدير، فنحن لا نريد النجاح فقط، بل نريد أن نُرى، أن يُلتفت إلينا، لأن نظرة الآخرين تؤثر مباشرة على نظرتنا لأنفسنا.
2- المقارنة المستمرة، فكلما رأينا نجاح الآخرين... شعرنا أن ما لدينا لا يكفي. وهنا يبدأ القلق هل أنا أقل؟ هل تأخرت؟
3- العقل الجمعي الذي يتفق على معايير القبول والاحترام المنحصرة في النجاحات المتزايدة التي ترهب الناس من الفشل.
4- الخوف من الفشل الاجتماعي، وعدم الاعتراف ألا تكون «مرئيًا».
5- تأثير الثقافة والإعلام، فالنجاح يُعرض كـثروة، شهرة، إنجازات، فيشعر الإنسان أنه في سباق لا ينتهي.
كيف نعيد مفهوم النجاح؟
ماذا يفعل هذا القلق بنا؟
يجعلنا نربط قيمتنا بإنجازاتنا، يجعلنا نعيش في مقارنة مستمرة، يفقدنا الرضا حتى لو نجحنا، يخلق شعورًا دائمًا بأننا «غير كافيين».
من هنا لابد من إعادة تعريف النجاح، وإفهام أولادنا أن النجاح كمفهوم ليس بالضرورة كما يراه المجتمع... بل كما يناسب قيمنا التي وضعناه لعيش الحياة مستخلفين في الأرض ولا تبرز قيمنا بالتصفيق ولا تقلّ بالصمت.
ومن المهم تقليل المقارنة، لأن المقارنة هي الوقود الحقيقي للقلق وتقبّل النقص لأن الكمال وهم، والحياة ليست سباق مكانة، إنما المكانة تتحقق ببذل الجهد ضمن التوازن النفسي للعيش بأمان.