د. علي السويد
في زمنٍ يُقاس فيه النجاح بمؤشرات الأداء الرئيسية (KPI)، يبدو أن الطب قد أُقحم قسرًا في قالبٍ حسابي لا يشبهه. وكأن أحدهم قرر أن يزن الرحمة بالكيلوغرام، ويحسب الألم بالدقيقة، ويقيس جودة الحياة بنسبة مئوية على لوحة تحكم إدارية!
المشكلة الجوهرية في إدخال الـKPI إلى الطب تكمن في وهم القابلية للقياس. فحين نقول إن الطبيب الجيد هو من يرى عددًا أكبر من المرضى في وقت أقل، فنحن لا نقيس الجودة، بل نقيس السرعة. وحين نكافئ انخفاض مدة الإقامة في المستشفى، قد نغفل أن بعض المرضى غادروا مبكرًا على حساب تعافيهم الحقيقي. الأرقام هنا لا تكذب، لكنها قد تُضلّل بامتياز! الأدهى من ذلك أن هذه المؤشرات تعيد تشكيل سلوك الأطباء بطرق غير واعية. الطبيب الذي يُقيّم بناءً على عدد المرضى قد يميل إلى تقليل الوقت المخصص لكل حالة. والطبيب الذي يُحاسب على نسب معينة قد يتجنب الحالات المعقدة التي قد «تُفسد» إحصاءاته. وهكذا، يتحول الطب إلى لعبة تحسين أرقام، حيث يصبح المريض وسيلة لا غاية. الأنظمة المعقدة - كالجسم البشري- لا تُختزل بسهولة إلى مؤشرات أحادية. هناك تداخل بين العوامل البيولوجية، النفسية، والاجتماعية. وهناك أيضًا عدم يقين جوهري، حيث لا يمكن دائمًا التنبؤ بالنتائج حتى مع أفضل المعطيات. الـKPI، بطبيعته، يتطلب وضوحًا وثباتًا في المقاييس، وهو ما يتناقض مع طبيعة الطب الديناميكية. كما أن هناك ما يُعرف بـ»قانون غودهارت»: عندما يصبح المقياس هدفًا، يتوقف عن كونه مقياسًا جيدًا». في الطب، حين نُركّز على تحسين رقم معين، فإننا نُخاطر بإهمال ما لا يمكن قياسه بسهولة كالعلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، أو جودة القرار السريري، أو حتى راحة المريض النفسية. هذا لا يعني أن الطب يجب أن يكون فوضويًا بلا تقييم أو مساءلة. بل على العكس، هناك حاجة ملحّة لمؤشرات ذكية، متعددة الأبعاد، تأخذ في الاعتبار السياق، وتعترف بالاختلافات الفردية، وتُكمل الحكم السريري بدل أن تستبدله. لكن تحويل الطب إلى لوحة مؤشرات جامدة هو أشبه بمحاولة قياس عمق البحر باستخدام مسطرة!
في النهاية، قد لا تكون المشكلة ليست في الـKPI ذاته، بل في استخدامه خارج مجاله الطبيعي. فكما لا نستخدم سماعة الطبيب لتشخيص خلل محرك السيارة، لا ينبغي أن نستخدم أدوات الإدارة الصناعية لقياس ممارسة طبية إنسانية معقدة!