غادة الوعلان
في ظل الجدل الأكاديمي الذي تشهده جامعة الملك سعود مؤخرًا بشأن التوجه نحو إعادة اعتماد أقسام العلوم الإنسانية ضمن خطتها للعام الدراسي القادم، بعد طرح سيناريوهات سابقة لتقليصها أو إلغائها، يبرز تساؤل جوهري: هل ما يحدث تراجع عن قرار، أم مراجعة واعية تعكس فهمًا أعمق لدور هذه التخصصات؟
بوصفي خريجة من قسم اللغة العربية في هذه الجامعة العريقة، أرى أن هذا النقاش يتجاوز كونه مسألة تنظيمية أو أكاديمية مختصة بفئة دون أخرى.. فقد جاء ليعكس إشكالية أوسع تتصل بمكانة العلوم الإنسانية في مشروعنا التعليمي والثقافي. فقد شهدت هذه الأقسام خلال السنوات الماضية تراجعًا نسبيًا في الاهتمام، في ظل تصاعد التركيز على التخصصات التقنية والعلمية بوصفها المحرك الرئيس لسوق العمل. وهو توجه يمكن تفهّمه في سياق التحولات الاقتصادية، لكنه في المقابل ينطوي على قدر من الاختزال في فهم طبيعة التنمية الشاملة.
وإن إعادة النظر في هذا المسار تكشف عن إدراك متنامٍ بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الاقتصاد، وأن العلوم الإنسانية- وفي مقدمتها اللغة العربية- ليست مجرد تخصصات نظرية، فهي الحاضن العميق للهوية، والمجال الذي تتشكل فيه أدوات الفهم والنقد، والرافعة التي تمنح بقية العلوم أبعادها القيمية والأخلاقية.
غير أن الدفاع عن أهمية هذه التخصصات لا ينبغي أن يحجب الإشكالات البنيوية التي عانت منها بعض أقسامها. ومن موقع التجربة الشخصية، أستحضر واحدة من أبرز هذه الإشكالات: مشروع التخرج الذي يعد أحد متطلبات التخرج في هذه الأقسام. فقد تحوّل – في كثير من الأحيان – من فرصة لتكريس مهارات البحث العلمي إلى ممارسة شكلية، يركز على جودة الطباعة، وفخامة الإخراج، وحشد المعلومات دون تمحيص أو تحليل. غابت في كثير من الأحيان أبجديات البحث العلمي: من صياغة المشكلة، إلى بناء الفرضيات، إلى التوثيق المنهجي، وصولًا إلى القدرة على إنتاج معرفة حقيقية... هذا الخلل لم يكن تفصيلاً صغيرًا، بل أسهم في تخريج أجيال تحمل شهادات أكاديمية دون أن تمتلك أدوات الباحث الحقيقي، مما عمّق الفجوة بين المخرجات التعليمية واحتياجات الواقع. من هنا، لا ينبغي اختزال النقاش في ثنائية “الإلغاء أو العودة”، بل يجب إعادة طرحه بصيغة أكثر عمقًا: أي علوم إنسانية نريد؟ وما نوع المخرجات التي نسعى إلى تحقيقها؟ وكيف يمكن ربط هذه التخصصات بسوق العمل دون الإخلال بجوهرها المعرفي؟
إن إعادة اعتماد هذه الأقسام- إن تمت- ينبغي أن ترتكز على رؤية إصلاحية حقيقية، وألا تكون مجرد استجابة ظرفية للجدل القائم. فالتحدي يكمن في قدر هذه الأقسام على استعادة دورها الحيوي من خلال مراجعة شاملة تبدأ من داخل القاعات الدراسية، وتمتد إلى سياسات القبول، وآليات التقييم، وطبيعة المقررات. وأثرها على الواقع المحلي والعالمي
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من التحولات التي تشهدها بعض الجامعات الأخرى في المملكة، حيث تتجه بعض البرامج إلى التخصصية الدقيقة، وربط العلوم الإنسانية بسياقات تطبيقية أكثر اتصالًا بسوق العمل، دون التفريط بأسسها المعرفية.
المطلوب اليوم ليس الدفاع العاطفي عن هذه التخصصات، ولا التقليل من شأنها، بل العمل على بناء نموذج جديد لها؛ نموذج يعيد الاعتبار للبحث العلمي بوصفه ممارسة أصيلة، ويخرج الطالب من دائرة التلقي إلى فضاء الإنتاج، ويجعل من العلوم الإنسانية أداة لفهم العالم وصياغة الإدراك.
في النهاية، قد لا تكون عودة أقسام العلوم الإنسانية تراجعًا بقدر ما هي محاولة لتصحيح المسار. غير أن قيمة هذا التصحيح ستظل مرهونة بمدى قدرته على معالجة جذور الخلل، وعدم الاكتفاء بإعادة إنتاج الشكل السابق. فإما أن تعود هذه الأقسام أكثر قوة وفاعلية، أو تعود لتكرّس الأزمة ذاتها.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن نمنح العلوم الإنسانية فرصة جديدة... ولكن وفق نموذج مطور يستوعب كل المستجدات، ويتكامل مع المؤسسات والهيئات.