سالم المحيلبي
لقد دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك، بل أعادت رسم معادلة الأمن والطاقة ورفع جاهزية الخليج في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، لتكون استثنائية بلا جدال، منطلقة من جدة على أُسس راسخة بأن دول الخليج تمضي بثبات نحو تعزيز مسارها المشترك، وترسيخ مفهوم التكامل في مختلف المجالات، حيثُ عكست هذه القمة مستوى متقدماً من الوعي السياسي لدى قادة دولنا الخليجية، حيث كان التركيز واضحاً على أهمية الترابط والتنسيق، ليس فقط كخيار مرحلي، بل كنهج ثابت لمواجهة التحديات وصناعة الاستقرار، ولا يُمكن قراءة هذه القمة بمعزل عن الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في دعم العمل الخليجي المشترك، حيث يأتي احتضانها لهذه القمة امتداداً لنهجها المستمر في تقريب وجهات النظر، وتعزيز مسارات التنسيق بين دول المجلس في مشهد يعكس ثقل المملكة القيادي في إدارة ملفات الإقليم، وبحث جملة من القضايا المرتبطة بالمستجدات الإقليمية والدولية، في ظل تصاعد التوترات وانعكاساتها على الأمن والاستقرار وأمن الطاقة.
إنها قمة عكست حرص المملكة على عقد مثل هذه اللقاءات إيماناً بأهمية التشاور المباشر، وضرورة توحيد الرؤى في ظل التحديات الراهنة، وهو ما يعزِّز من فعالية العمل الخليجي ويمنحه بُعداً أكثر تماسكاً، لمواجهة التحديات، خصوصاً في ظل تصاعد الاعتداءات التي استهدفت منشآت مدنية وبنى تحتية، وما تفرضه من ضرورة تحرك مشترك لحماية أمن المنطقة واستقرارها، وضمان استمرارية تدفق الطاقة وسلامة الممرات الحيوية.
إن من أبرز ما طُرح خلال القمة، التأكيد على ضرورة الاستعجال في استكمال المشاريع الخليجية المشتركة، والتي تمثّل ركيزة أساسية في بناء منظومة تكامل اقتصادي وإستراتيجي متكاملة، وفي مقدمتها: (مشروع سكك الحديد الخليجية ومشاريع الربط الكهربائي وشبكات أنابيب النفط والغاز ومشاريع الربط المائي وتعزيز المخزون الإستراتيجي)، وكلها مشاريع لا تقتصر أهميتها على الجانب التنموي، بل تمتد لتشكل دعامة رئيسية للأمن الاقتصادي الخليجي.
لقد حملت القمة تأكيداً واضحاً على تعزيز التكامل العسكري الخليجي، في خطوة تعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية توحيد الجهود الدفاعية، ورفع مستوى الجاهزية في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، وما بين سطور هذه القمة، برزت رسالة واضحة مفادها أن دول الخليج، بهذا التلاحم والترابط، تمثِّل كياناً متماسكاً، قادراً على حماية مصالحه، والتعامل مع المتغيِّرات بثقة وثبات.
هذا التوجه لا يعزِّز فقط من قوة الموقف الخليجي، بل يرسخ أيضاً مكانة دول المجلس كقوة إقليمية مؤثّرة تحسب لها حساباتها، فالقمة الخليجية في جدة لم تكن مجرد اجتماع، بل محطة مهمة تعكس عمق العلاقات الخليجية، وتؤكد أن المستقبل يُبنى على التكامل، لا التباعد، وعلى العمل المشترك، لا الجهود الفردية.. حفظ الله دول الخليج، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وحفظ قادتها وشعوبها من كل سوء.
** **
- إعلامي وكاتب كويتي