د. منى بنت سعيد القحطاني
شهد التعليم العالي في السنوات الأخيرة موجة من القرارات وإعادة الهيكلة داخل عدد من الجامعات العريقة حول العالم، حيث اتجهت بعض المؤسسات إلى تقليص عدد من البرامج والكليات الإنسانية والتربوية، أو دمجها، أو إعادة النظر في أعداد المقبولين فيها، تحت مبررات ترتبط بسوق العمل، والتمويل، والكفاءة التشغيلية.
ومع هذه التحولات، عاد الجدل من جديد حول موقع الكليات الإنسانية والتربوية في الجامعة الحديثة: هل أصبحت عبئاً تنظيمياً يمكن الاستغناء عنه؟ أم أنها لا تزال تمثل أحد أهم الأدوار التي تقوم عليها رسالة الجامعة وبناء الإنسان؟
وفي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الجامعات إلى تقليص أو دمج بعض البرامج الإنسانية، لا تزال الجامعات الأكثر تأثيراً في العالم تحافظ على كليات التربية وتعيد تطويرها وربطها بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والسياسات العامة، وعلوم التعلم.
وبالتوازي مع ذلك، يزداد الحديث عن أهمية مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات سوق العمل، حتى أصبح هذا المعيار في بعض الأحيان هو المعيار الوحيد للحكم على قيمة أي كلية أو تخصص. وبناءً على ذلك، تتعرض الكليات الإنسانية والتربوية لكثير من التساؤلات حول جدواها، ويُنظر إليها أحياناً على أنها أقل ارتباطاً بالاقتصاد أو أقل قدرة على توفير وظائف مباشرة للخريجين.
لكن هذا التصور ينطلق من فهم ضيق لوظيفة الجامعة، وكأن دورها يقتصر فقط على إنتاج موظفين لسوق العمل، بينما الحقيقة أن الجامعة وُجدت لبناء الإنسان أولاً، ثم تأهيله للحياة والعمل معاً. فهناك فرق كبير بين أن تُخرّج الجامعة شخصاً يمتلك مهارة مهنية محددة، وبين أن تُخرّج إنساناً يمتلك القدرة على التفكير، والتواصل، واتخاذ القرار، والتعامل مع الأزمات، وفهم مجتمعه، والتكيف مع التحولات المتسارعة.
إن الاقتصار على ربط التعليم بالوظيفة فقط يحمل خطورة كبيرة؛ لأن الوظائف نفسها تتغير بسرعة، وبعض المهن تختفي، وأخرى تظهر، لكن الإنسان الذي يمتلك التفكير النقدي، والمرونة، والقدرة على التعلم المستمر، يستطيع أن يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة. ولهذا فإن الجامعات الكبرى لا تنظر إلى التعليم بوصفه تدريباً مهنياً قصير الأجل، بل تنظر إليه بوصفه مشروعاً طويل الأمد لبناء الإنسان.
المشكلة ليست في الكليات الإنسانية والتربوية بحد ذاتها، بل في بعض البرامج التي لم تطور أدواتها، ولم تربط مخرجاتها بالمهارات الجديدة، ولم تواكب التحولات التقنية والاجتماعية. ولهذا فإن الحل لا يكون بإلغائها، بل بإعادة بنائها وربطها بالواقع، وسوق العمل، والبحث العلمي.
ولهذا لا تزال الجامعات الكبرى في العالم تتمسك بكليات التربية والعلوم الإنسانية وتواصل تطويرها، لأنها تدرك أن التقنية مهما تطورت، ستظل بحاجة إلى إنسان يوجهها، ويفهم أثرها، ويحدد استخدامها الأخلاقي والاجتماعي؛ فجامعات مثل Harvard Graduate School of Education وStanford Graduate School of Education في الولايات المتحدة الأمريكية، وUniversity of Oxford Department of Education في المملكة المتحدة، لم تتعامل مع كليات التربية بوصفها بقايا تاريخية أو عبئاً تنظيمياً، بل أعادت تعريفها لتصبح مراكز لعلوم التعلم، والذكاء الاصطناعي التعليمي، وتحليل البيانات، والصحة النفسية، وصناعة السياسات، والتصميم التعليمي.
في Harvard Graduate School of Education، لم يعد إعداد المعلم يقتصر على طرق التدريس التقليدية، بل أصبح يشمل تصميم بيئات تعلم رقمية، وتحليل بيانات المتعلمين، وفهم الفروق الفردية، وقيادة التغيير داخل المدارس. كما أن مبادرات مثل Project Zero لا تهتم فقط برفع التحصيل الدراسي، بل بتنمية التفكير، والإبداع، والفنون، وبناء الشخصية.
وفي Stanford Graduate School of Education، ترتبط برامج إعداد المعلمين بريادة الأعمال التعليمية، وتصميم التقنيات، والسياسات العامة، والعدالة التعليمية. فالمعلم في نظر الجامعة ليس ناقلاً للمعلومة فقط، بل قائد، ومصمم تعلم، وصانع أثر داخل المجتمع.
أما University of Oxford Department of Education، فيركز على العلاقة بين التعليم والمجتمع، وعلى دور البحث العلمي في معالجة قضايا مثل الفجوات التعليمية، والصحة النفسية، وتأثير التقنية على الأطفال والشباب.
سوق العمل لم يعد يبحث عن المهارة فقط، بل عن الإنسان القادر على التفكير والتكيف.
ومن المفارقات أن سوق العمل نفسه، الذي يُستخدم كثيراً لتبرير تقليص الكليات الإنسانية، أصبح يبحث بصورة متزايدة عن المهارات التي تبنيها هذه الكليات. فالشركات الكبرى لا تبحث فقط عن أشخاص يجيدون استخدام التقنية، بل عن أشخاص يمتلكون التفكير النقدي، والقدرة على التواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، وحل المشكلات، والتعلم المستمر.
ولهذا نجد أن كثيراً من الوظائف الحديثة ترتبط بخريجي التربية والعلوم الإنسانية، مثل التصميم التعليمي، والتدريب والتطوير، وتحليل السياسات، وإدارة التغيير، والموارد البشرية، والاستشارات، والصحة النفسية، وتصميم المحتوى، والتواصل المؤسسي.
كما أن كثيراً من الشركات التقنية الكبرى أصبحت توظف متخصصين في التربية، وعلم النفس، والفلسفة، وعلم الاجتماع؛ لأن تصميم أي تطبيق أو منصة أو نظام ذكي لا يعتمد فقط على البرمجة، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الإنسان: كيف يفكر؟ كيف يتعلم؟ كيف يتفاعل؟ وما الذي يؤثر في قراراته وسلوكه؟
وهنا تظهر أهمية كليات التربية والعلوم الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي تحديداً. فالأسئلة الكبرى التي يطرحها الذكاء الاصطناعي ليست تقنية فقط، بل أخلاقية وإنسانية أيضاً: كيف نستخدمه بعدالة؟ كيف نحمي خصوصية المتعلمين؟ كيف نضمن ألا يعمق الفجوات الاجتماعية؟ وكيف نُعد الأطفال للتعامل معه دون أن يفقدوا قدرتهم على التفكير والإبداع؟
وفي السياق المحلي، تؤكد رؤية السعودية 2030 أن بناء الإنسان هو أساس التنمية، وأن تنمية القدرات البشرية وجودة الحياة والتعلم المستمر تمثل ركائز رئيسة للمستقبل. وهذا يعني أن التعليم لا يمكن أن يُقاس فقط بعدد الوظائف التي يوفرها، بل بقدرته على بناء مواطن يمتلك المعرفة، والقيم، والمرونة، والقدرة على المشاركة والابتكار.
كما تؤكد تقارير اليونسكو أن العالم يحتاج إلى نحو 44 مليون معلم إضافي بحلول عام 2030، وهو ما يكشف أن كليات التربية ليست مجرد تخصصات أكاديمية، بل ضرورة مجتمعية واقتصادية ووطنية.
وتشير تقارير OECD إلى أن التعليم الجيد في المستقبل لن يُقاس فقط بالحصول على وظيفة، بل بقدرة الفرد على التعلم المستمر، والتكيف، والمشاركة المجتمعية، واتخاذ القرار، والتعامل مع عالم سريع التغير.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تخدم الكليات الإنسانية سوق العمل؟ بل: هل يمكن بناء مجتمع متوازن، ومستقر، وقادر على التقدم، دون أن نبني الإنسان أولاً؟
فالجامعة التي تركز على السوق وحده قد تنجح في تخريج موظف، لكنها قد تفشل في تخريج مواطن، وقائد، ومفكر، وإنسان قادر على العيش والتأثير في عالم معقد ومتغير.
الجامعة التي تبني الإنسان، لا تخدم الحاضر فقط... بل تصنع المستقبل.
في النهاية، لا تُقاس قوة الجامعات بعدد المباني أو التخصصات التقنية التي تقدمها، بل بقدرتها على بناء إنسان يفكر، ويبتكر، ويتحمل المسؤولية، ويقود التغيير. فالمهن قد تتبدل، والوظائف قد تختفي، والتقنيات قد تتغير، لكن الإنسان القادر على التعلم والتكيف وصناعة المعنى سيبقى هو الثابت الأهم. ولهذا، فإن الجامعة التي تستثمر في الإنسان لا تخدم الحاضر فقط، بل تصنع المستقبل. لأن المجتمعات لا تخسر حين تقل الوظائف فقط، بل حين يضعف الإنسان القادر على صنعها.