مجيب الرحمن بن عثمان
لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: ماذا سيحدث حين نمنحه حق القرار بدلًا عنا.. ثم نألف ذلك دون أن ننتبه؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنيةٍ متقدمة، ولا أداةً تُستخدم لتحسين الأداء أو تسريع الإنجاز، بل أصبح -بهدوءٍ لافت- فاعلًا خفيًا في تشكيل القرار.
في السابق، كانت السياسة تُبنى على الرؤية، وتُدار بالخبرة، وتُحسم بالتجربة.
أما اليوم، فقد دخل عنصر جديد إلى المعادلة.. لا يُرى، ولا يُناقش في كثير من الأحيان، لكنه حاضر في كل تفصيل: الخوارزمية.
لم يعد القرار الاقتصادي منفصلًا عن تحليل البيانات، ولا الرأي العام بعيدًا عن تأثير المنصات، ولا حتى الأمن بمعزلٍ عن أنظمة تتعلم وتُطوّر نفسها باستمرار.
وهنا لا يكمن التحول في استخدام هذه التقنية فحسب، بل في الانتقال الصامت من «الاستعانة بها».. إلى «الاعتماد عليها».
ولم تعد المشكلة في ما تستطيع هذه الأنظمة أن تفعله، بل في السؤال الأعمق: من الذي يوجّهها؟ ومن الذي يحدد الغاية من قراراتها؟
فالخوارزميات لا تملك ضميرًا، ولا تُدرك القيم، ولا تشعر بنتائج قراراتها.. هي تنفّذ فقط ما تُبرمج عليه، وتتعلم مما يُغذّى بها.
وفي عالمٍ تتسارع فيه القرارات، قد يبدو الاعتماد عليها خيارًا منطقيًا.. لكن المنطقي ليس دائمًا هو الأكثر حكمة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تخطئ الآلة، بل أن نُسلّم لها حق الاختيار، ثم نعتاد ذلك حتى لا نراه.
اليوم، لم تعد السيادة تُقاس فقط بالحدود، ولا بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبحت تُقاس -بشكلٍ متزايد- بالقدرة على فهم التقنية.. وتوجيهها.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك المعلومة، بل لمن يملك القدرة على تفسيرها.. ثم السيطرة على مسارها.
وفي عالمٍ قد تُكتب قراراته بلغةٍ رقمية، تبقى الحقيقة الأهم: أن الإنسان -بقِيَمه ووعيه- يجب أن يظل هو من يكتب السطر الأخير.. بدلا أن يُملي عليه.