د. سالم بن محمد آل جفشر
عندما كنت أعمل دبلوماسيا في الملحقية الثقافية السعودية في النمسا وتزامن ذلك مع نهاية فترة عملي هناك كنت أتأمل المشهد الأوروبي بكثير من الأسئلة والأمنيات، كنت أرى المدن وهي تدار بروح التنظيم وأشاهد كيف تتحول جودة الحياة إلى سلوك يومي، وكيف تصنع الثقافة والفنون والخدمات العامة صورة الدولة الحديثة وفي داخلي كان سؤال لا يغيب: متى نرى في وطننا مثل هذه الممكنات لا لأن المملكة ينقصها شيء بل لأنني كنت أؤمن أن بلادنا بما تملكه من عمق تاريخي ومكانة دينية وثقل سياسي وقوة اقتصادية وشعب شاب وطموح تستحق أن تكون في مقدمة النموذج التنموي العالمي..
وتحقق ذلك الحلم مع إعلان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رؤية المملكة 2030 في عام 2016 ذلك الإعلان التاريخي الذي لم يكن مجرد إطلاق برنامج وطني بل كان لحظة تأسيس لمرحلة سعودية جديدة أعادت تعريف الطموح ورسمت ملامح المستقبل ونقلت المملكة من موقع مواكبة التحولات إلى موقع صناعتها وقيادتها.
وها نحن اليوم في السنة العاشرة من انطلاق الرؤية نقف أمام واقع سعودي جديد تجاوز حدود الوعود إلى منجزات يلمسها المواطن وتشهد بها تحولات الاقتصاد والمجتمع ويتابعها العالم بوصفها نموذجا فريدا في إدارة التحول وصناعة المستقبل فلقد امتلك ولي العهد منذ اللحظة الأولى شجاعة السؤال الكبير: كيف يمكن أن تتحول المملكة من دولة غنية بمواردها إلى دولة عظيمة بإنسانها واقتصادها وتأثيرها ومن هذا السؤال ولد المشروع الوطني الأضخم في تاريخ المملكة الحديث مشروع لم يكتف بتحسين الحاضر، بل ذهب إلى إعادة بناء المستقبل على أسس أكثر تنوعا وكفاءة وابتكاراً فعبقرية الرؤية أنها لم تنظر إلى التنمية بوصفها أرقاما ومؤشرات فقط بل بوصفها تحولا شاملا في الإنسان والمكان والمؤسسة والفرصة فالاقتصاد لم يعد مرتهنا لمسار واحد والمدينة لم تعد فضاء عمرانيا صامتا والثقافة لم تعد نشاطا هامشيا والسياحة لم تعد قطاعا مؤجلا والشباب لم يعودوا ينتظرون الفرص بل أصبحوا شركاء في صناعتها وخلال سنوات قليلة تبدلت الصورة أصبحت المملكة أكثر حضورا في الاقتصاد العالمي وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات وأكثر انفتاحا على الصناعات الجديدة وأكثر جرأة في بناء قطاعات كانت خارج دائرة الاستثمار التقليدي، كما تحولت جودة الحياة من أمنية كان يراها البعض في مدن العالم إلى واقع سعودي يتشكل في الفعاليات والوجهات السياحية والرياضة والفنون والترفيه والمبادرات الثقافية وتحسين الخدمات وتطوير المدن فلم يكن هذا التحول ممكنا لولا قيادة تمتلك وضوح الرؤية وحسم القرار وسرعة التنفيذ، فقد أثبت ولي العهد أن المستقبل لا يمنح للدول المترددة بل تصنعه الدول التي تعرف قدرها وتثق بشعبها وتملك الجرأة على تغيير قواعد اللعبة ولهذا لم تكن رؤية 2030 خطة حكومية عابرة بل مشروع دولة ومشروع قيادة ومشروع مجتمع.
فلقد راهن بعض المشككين في بداية الطريق على صعوبة التنفيذ وعلى أن الطموح أكبر من الزمن وأن المجتمع لن يتفاعل مع هذا التحول الواسع غير أن الواقع كان أبلغ من كل جدل فقد أثبت السعوديون أنهم ليسوا مجرد متلقين للتغيير بل هم طاقته ومحركه، وأثبتت المرأة السعودية حضورها وكفاءتها وأثبت الشباب السعودي أنه قادر على المنافسة والإبداع وأثبتت المؤسسات الوطنية أن التحول حين تقوده إرادة سياسية صلبة حين يصبح واقعا لا شعارا.
فمن زاوية إعلامية وأكاديمية يمكن القول إن ولي العهد لم يرسم رؤية اقتصادية فحسب بل صنع سردية سعودية جديدة سردية عنوانها الثقة وعمادها العمل، ومضمونها أن المملكة لا تقلد نماذج الآخرين بل تصنع نموذجها الخاص، نموذج يستفيد من العالم لكنه لا ينسخ تجاربه ينفتح على الحداثة لكنه لا يتخلى عن أصالته يتجه إلى المستقبل لكنه يستند إلى هوية راسخة وتاريخ عميق، فلقد أحب ولي العهد شعبه فبادله الشعب حبا وثقة والتفافا حول مشروعه، وهذه العلاقة ليست تفصيلا عاطفيا في مسيرة الرؤية بل هي أحد أسرار نجاحها لأن التحولات الكبرى لا تنجح بالقرارات وحدها بل تنجح حين تتحول إلى إيمان وطني مشترك وحين يرى المواطن أن مستقبله الشخصي جزء من مستقبل وطنه.
وحين أستعيد اليوم تلك الأمنيات التي حملتها معي من فيينا أدرك أن ما تحقق في المملكة لم يكن مجرد انتقال من مرحلة إلى أخرى بل ولادة زمن سعودي جديد، زمن جعل الطموح أكثر اتساعا وجعل المواطن أكثر ثقة وجعل العالم ينظر إلى المملكة بوصفها قوة صاعدة لا تنتظر مكانتها بل تصنعها بوعي واقتدار، فإن رؤية المملكة 2030 في عامها العاشر ليست ذكرى نحتفي بها فقط بل برهان حي على أن القيادة حين تؤمن بشعبها وتراهن على قدراته وتمنحه مشروعا واضحا فإنها تستطيع أن تختصر المسافات وأن تحول الأحلام المؤجلة إلى واقع يراه الناس في تفاصيل حياتهم.فمن فيينا بدأت الأمنية ومن الرياض انطلق القرار وبينهما ولدت قصة وطن اختار أن يكون في قلب المستقبل، وهذا هو جوهر رؤية 2030 أنها لم تغير ملامح التنمية فحسب بل غيرت إحساس السعوديين بالممكن وفتحت أمام المملكة طريقا واسعا نحو غد تصنعه بثقة وتقوده بقيادة ولي عهد رسم المستقبل وآمن بشعبه فأحبه شعبه ومضى معه نحو وطن أعظم.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان