عبد العزيز بن صالح الفريدي
مضت عشرة أعوام على إطلاق رؤية المملكة 2030، ذلك المشروع الوطني الطموح الذي لم يكن مجرد خطة إصلاحية تقليدية، بل خارطة طريق شاملة أعادت صياغة مفهوم التنمية في المملكة، ونقلت الاقتصاد والمجتمع إلى آفاق أكثر تنوعًا واستدامة. وخلال هذه السنوات، أثبتت الرؤية أنها ليست مجرد شعارات، بل برنامج عمل متكامل تُقاس نتائجه بالأرقام والإنجازات على أرض الواقع.
من أبرز ما تحقق في ظل الرؤية هو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، حيث شهدت القطاعات غير النفطية نموًا ملحوظًا، مدعومًا بإصلاحات اقتصادية وهيكلية عميقة. فقد أصبحت السياحة، والترفيه، والتقنية، والصناعة، محركات رئيسية للنمو، ما عزَّز من قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلّبات العالمية.
كما شهدت المملكة قفزة نوعية في جذب الاستثمارات الأجنبية، بفضل تحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأنظمة والتشريعات، وتسهيل الإجراءات. ولم تعد المملكة مجرد سوق واعدة، بل تحولت إلى مركز إقليمي وعالمي للاستثمار، يستقطب كبرى الشركات العالمية، ويعزِّز من تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بالتحول الاجتماعي، أحدثت الرؤية تغييرات جوهرية انعكست على جودة الحياة للمواطنين والمقيمين. فقد توسعت الخيارات الثقافية والترفيهية، وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل بشكل غير مسبوق، وأصبحت المدن السعودية أكثر حيوية وانفتاحًا، مع الحفاظ على الهوية والقيم الأصيلة.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد شهدت المملكة تطورًا كبيرًا في مشاريع النقل، والطاقة، والخدمات الرقمية. وتقدمت في مجال الحكومة الإلكترونية، ما ساهم في تحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتقديم خدمات أكثر سرعة وشفافية للمستفيدين.
وفي قطاع الطاقة، لم تكتفِ المملكة بالحفاظ على مكانتها كقوة نفطية عالمية، بل خطت خطوات واسعة نحو التحول إلى مركز عالمي للطاقة بمختلف أشكالها، بما في ذلك الطاقة المتجددة، مما يعكس التزامها بالاستدامة البيئية ومواكبة التحولات العالمية.
ولا يمكن إغفال النجاحات في قطاع التعليم والتدريب، حيث جرى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وإطلاق برامج نوعية لتأهيل الكوادر الوطنية، بما يضمن بناء جيل قادر على قيادة المستقبل بثقة وكفاءة.بعد عقد من الزمن، يمكن القول إن رؤية 2030 لم تعد مشروعًا مستقبليًا، بل واقعًا ملموسًا يتجسد في كل قطاع من قطاعات الدولة. وما تحقق حتى الآن يمثِّل مرحلة تأسيسية قوية، تُبنى عليها طموحات أكبر خلال السنوات القادمة.
إن استمرار هذا الزخم يتطلب الحفاظ على روح المبادرة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية لأي تنمية مستدامة. ومع ذلك، تبقى المؤشرات الحالية شاهدة على نجاح تجربة فريدة، أعادت تعريف الممكن، وأثبتت أن الطموح حين يقترن بالإرادة، يتحول إلى إنجاز.