د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في خطوة تعكس نضجًا مؤسسيًا متقدمًا في إدارة المدينة وتؤكد عمق التحول الذي تشهده المدن السعودية، أُطلقت صفحة مؤشر جودة الحياة لمدينة مكة المكرمة، وهو ثمرة لشراكة إستراتيجية جمعت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وبرنامج جودة الحياة السعودي، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat.
هذا الإطلاق ليس مجرد إضافة رقمية إلى منظومة التخطيط الحضري، بل هو إعلان صريح عن ثقافة مؤسسية جديدة قوامها البيانات والشفافية، ويؤكد تحولًا نوعيًا نحو تبني أدوات القياس العالمية في دعم القرار الحضري ورسم سياسات مستندة إلى أدلة واقعية وتخطيط علمي.
لم تعد جودة الحياة مفهومًا إنشائيًا أو توصيفًا عامًا، بل أصبحت منظومة قياس دقيقة تعتمد على مؤشرات معيارية تغطي أبعادًا متعددة تشمل الإسكان، والنقل، والبيئة، والخدمات، والصحة، والاقتصاد المحلي، والرفاه الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يمثل هذا الإطلاق خطوة استراتيجية تعزز من قدرة صناع القرار في مكة المكرمة على فهم الواقع الحضري بشكل أكثر عمقًا، ورصد التحولات، وتحديد أولويات التدخل بناءً على بيانات موثوقة وقابلة للمقارنة عالميًا.
لفهم حجم هذه الخطوة، لا بد من استحضار السياق العالمي الذي نشأت فيه مؤشرات جودة الحياة. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، تسابقت الهيئات الدولية لتطوير أطر قياس شاملة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية. برنامج UN-Habitat صاغ منظومة «مؤشرات المدن المستدامة» المرتبطة بالأجندة الحضرية للألفية الجديدة، مغطيًا أبعادًا متشعبة من الإسكان والنقل وصولًا إلى الأمان والمشاركة المجتمعية. وفي المقابل، طوّر المجلس العالمي لبيانات المدن WCCD معيار ISO 37120 الذي بات مرجعًا عالميًا لقياس أداء المدن وتمكين المقارنة بينها. أما منظمة OECD فقدّمت عبر منصة «Better Life Index» نموذجًا للرفاه متعدد الأبعاد يضع الإنسان في مركز القياس لا الناتج المحلي. وعلى المنوال ذاته، عمل البنك الدولي على بناء أدوات تقيس جودة الحياة من منظور تنموي يأخذ بعين الاعتبار السياقات المحلية لكل مدينة.
في هذا المشهد المتشابك، تبرز مكة المكرمة حالة استثنائية بكل المقاييس. فهي مدينة تحمل ثقل الإرث الروحي لمليار ونصف مسلم، وتواجه في الوقت ذاته تحديات تشغيلية متعددة المستويات تتعلق بإدارة الحشود، وتطوير البنية التحتية، ورفع مستوى الخدمات لسكانها الدائمين وضيوفها الموسميين الذين يبلغ عددهم الملايين سنويًا.
إن هذه الخصوصية الدينية للمدينة ومكانتها العالمية وتحدياتها التشغيلية هي التي تُكسب مشروع مكة المكرمة أهمية خاصة. ومن هنا فإن إدماج مؤشرات جودة الحياة ضمن منظومة التخطيط والتشغيل وتبني مؤشرات قياس معيارية في هذه البيئة الاستثنائية يتيح قراءة أكثر دقة لتجربة السكان والزوار على حد سواء، ويعزز من كفاءة إدارة الحشود، وجودة الخدمات، واستدامة البنية التحتية.
ولعل ما يُضفي على هذه المبادرة قيمة مضافة هو توقيتها المتسق مع مستهدفات رؤية 2030، التي رفعت جودة الحياة إلى مرتبة الأهداف الوطنية الكبرى. فحين تلتزم مدينة بمقاييس دولية معترف بها، فإنها لا تُحسّن فقط قدرتها على التشخيص والتخطيط، بل تُعزز أيضًا موقعها في مصاف المدن العالمية القابلة للمقارنة.إن صفحة مؤشر جودة الحياة لمكة المكرمة هي في جوهرها دعم للقرار الحضري؛ أخذ بالاعتبار بأن السياسات الحضرية ستبنى على دليل، وأن الإنجاز سيُقاس بمعايير، وأن تحسين جودة الحياة عملية مستمرة دون توقف. وهذا، في حد ذاته، إنجاز يستحق التوقف عنده.