د. محمد عبدالله الخازم
بعد أن هدأت العاصفة، لا أريد تكرار ما طرحته سابقاً حول جامعة الملك سعود، ومن أبرز ما نُشر في هذا السياق ما ورد في هذه الجريدة بتاريخ 29-5-2021م. فقد اقترحت آنذاك هيكلاً جديداً للدرجات الجامعية يقوم على تصنيفها إلى درجات أساسية وأخرى مهنية، بحيث تُدرَّس الأساسية قبل الالتحاق بالتخصصات المهنية، إلى غير ذلك من الأفكار المرتبطة بتطوير المسار الأكاديمي.
اليوم، أطرح فكرة أخرى للنقاش قد تهم مختلف الجامعات، تتمثَّل في الدمج وفق خطة متدرجة، وفي إطار حوكمة واضحة ومرجعية محددة. فعلى سبيل المثال، لماذا لا تُدمج كلية العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود مع نظيرتها في جامعة الإمام محمد بن سعود؟
يمكن أن يتم هذا الدمج بين كليات العلوم الإنسانية (أو ما يماثلها في المسمى والتخصصات) وفق خطة زمنية تمتد -على سبيل المثال- لثلاث سنوات، تستمر خلالها الاستفادة من مرافق جامعة سعود إلى حين استكمال متطلبات/ ترتيبات الانتقال. لا تبدو هناك فروق جوهرية بين الجامعتين من حيث المزايا الوظيفية أو الطلابية أو الأنظمة، مما قد يسهم في تسهيل تطبيق الفكرة. كما يمكن مستقبلاً انتداب أو تكليف أساتذة من جامعات مجاورة لتدريس المقررات العامة في جامعة سعود، أو الإبقاء على عدد من المحاضرين/ المدرسين فيها وفقاً للاحتياج.
ومثال آخر: إذا رأت جامعة الملك سعود أن كلية الزراعة تمثِّل عبئاً لا يتوافق مع إستراتيجيتها المستقبلية، فقد يكون من المناسب التفكير في نقلها إلى جامعة الأمير سطام في الخرج، بحكم الطبيعة الزراعية للمنطقة. فوجود كلية للزراعة والطب البيطري هناك من شأنه دعم الاحتياجات التنموية. ويمكن -ضمن تفاصيل التنفيذ- تقديم حوافز لأعضاء هيئة التدريس، مثل بدلات انتقال أو دعم مالي مؤقت، لتشجيع انتقالهم، مع الاستمرار في استخدام المرافق الحالية لفترة انتقالية تضمن عدم إرباك الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
ولا يقتصر الأمر على جامعة أو كلية بعينها؛ إذ يمكن تصور سيناريوهات أخرى، مثل دمج كليات بين بعض الجامعات، بما يحقق كفاءة أعلى في توزيع الموارد والتخصصات.
ولحوكمة مثل هذه العمليات، أُعيد التأكيد على ما اقترحته سابقاً بشأن إنشاء أنظمة جامعية على مستوى المناطق أو ما يشبه «الكونسرتيوم»، بحيث يتولى مجلس هذا النظام (University System) دراسة حالات الدمج، وتنظيم تبادل أعضاء هيئة التدريس، ومعالجة القضايا المرتبطة بالتطوير الجامعي. وتهدف هذه الفكرة إلى تعزيز التكامل المؤسسي والاستفادة من الموارد والخدمات المشتركة، دون المساس بهوية كل جامعة، كما هو معمول به على نطاق واسع في الولايات المتحدة.
بل إن إنشاء مجلس أمناء لكل نظام جامعي قد يشكل بديلاً لمجالس الأمناء المنفردة للجامعات، والتي لم تُفعَّل، رغم صدور تنظيمها منذ عام 2019م. سبق أن طرحت في جريدة الوطن بتاريخ 17-18 مارس 2023م مقترحاً يدعو إلى تأسيس خمسة أنظمة جامعية داخل المملكة.
الخلاصة: إن التفكير في دمج ونقل الكليات بين الجامعات، ضمن إطار مؤسسي منظم، قد يسهم في معالجة بعض التحديات التي تواجه التعليم الجامعي، بدلاً من الاكتفاء بحلول آنية ومعالجات منفردة لكل جامعة.