رمضان جريدي العنزي
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم
بِلا شكرُ عليه فإن الله ينزعهُ
ثوبُ النعيم ليس فقط رصيداً مالياً، أو عقاراً عينياً، أو مركبةً فارهةً، أو قصراً مشيداً، أو حديقةً بهيجةً، أو مركزاً مرموقاً، أو بذخاً في احتفالية، أو تصوير مائدة، بل النعيم الحقيقي أيضاً بالستر والحشمة، والصحةُ والعافيةُ، والرزقُ الحلال، والأمن والأمان، والبصر والبصيرة، والسمع والفؤاد، والعطاء والبر والإحسان والسعي مع الناس، فإن لم تشكر هذه النعم وتحمد اللهَ عليها، فلتعلم أن اللهَ قادر على أن ينزعها في لمح البصر، أو أقل من ذلك، وما قصة قارون إلا عبرة وعظة، إن الشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو حالة قلبيةٌ وعمليةٌ، شكر اللسانِ بالثناء والاعتراف، وشكر الجوارحِ باستعمال النعمة في طاعة المنعم سبحانه وتعالى، وشكرُ القلب بالرضا واليقين، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، فلا يغرنك بريق زائل، ولا يخدعنك صخب المظاهر، فكم من متخم بالمال جائع الروح، وكم من مترف يبيت على قلق، ينهشه التوتر، وكم من بسيط ينام قرير العين كأنه يملك الدنيا وما فيها، النعيم ليس ما تملكه، بل بحمد المنعم المعطي وشكره، أن النعيم ليس ذهباً يكدس، ولا أملاكاً تسجل، ولا مركبات تستعرض، ثوب النعيم ستر من الله، وعافية إذا تكسرت على عتبات المرض أقدام الأقوياء، وسكينة إذا اضطربت قلوب من ملكوا كل شيء إلا الطمأنينة، أن العاقل لا ينخدع بزخارف تلمع في النهار وتنهار في الليل، فكم من وجه يضحك للناس ويبيت على أنين مكتوم، وكم من صاحب شأن ومال تسحقه وحدته أو بخله، وكم من بسيط مجهول يملك من الرضا ما لا تستوعبه خزائن الدنيا، النعيم ليست واجهة ترى بل حصن خفي، ليس ما يصفق له الناس، بل ما يثبت القلب وتهدأ به الروح، فمن باع صحته لترف زائل أنهار، ومن علق قلبه بالدنيا سقط بسقوطها، النعيم أن تبقى شاكراَ وحامداَ للمنعم، حينها تنام آمناً، حين يسهر الآخرون قلقاً.