نجلاء العتيبي
فضولُ الناس لا يقفُ عند حد؛ يتسلَّل إلى أدقِّ التفاصيل، كأنَّ حياة الآخرين شأنٌ عامٌّ.
يتعاملون مع الإنسان كأنه لوحة معروضة للجميع؛ مفتوحة لكل سؤال: أين يعمل؟ كيف يبدو - نحيف أم ممتلئ؟ متى يتزوَّج؟ متى يُنجب؟ وأين موقعه من الحياة - في صعود أم تعثُّر؟ ماذا يأكل وماذا يشرب؟
هذه الأسئلة تتطاير في المجالس كما تتطاير شرارات صغيرة في هواءٍ ساكنٍ؛ تُقال ببساطةٍ، ووقعُها ليس بسيطًا، يُتداول السؤال كأنه اهتمام، وهو في حقيقته تفتيش في حياة الآخرين، وملء للصمت بالكلام، يبدأ الحديث بسؤال، ثم يتتابع حتى يُصبح الإنسان موضوعًا مفتوحًا على الطاولة، تُفكَّك تفاصيله، وتُعاد صياغتها بعيونٍ لا تعرفه.
تُجمع هذه الشذراتُ، ويُبنى عليها حكمٌ سريعٌ، كأنها تكفي لتعريف صاحبها، يُختصر الإنسان في مظهره ووظيفته وبعض مراحله، وتُرسم له صورة لا تُشبهه، ومع تكرار هذا النمط، يفقدُ السؤال معناه، ويتحوَّل إلى عادةٍ تُقال دون تقدير لأثرها، حتى يغدو الفضول سلوكًا يوميًّا لا يُراجع، ولا يُنتبه لحدوده.
وقد قيل:
«لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ»
وفي هذا تذكيرٌ بأن ما يخرج من الإنسان يكشف قدره، وأن الكلمة حين تُقال بغير وعي، تفضح خفَّتها قبل أن تبلغ غايتها.
وللأمانة، لا أذكر أني جلست يومًا أسأل: عن خصوصية الناس؛ لأن الحياة تُعلّم أن السؤال ليس دائمًا عذبًا، وأن ترك المساحة أصدقُ من اقتحامها؛ فالإنسان لا يُعرَف بأخباره، إنما بأثره وسلوكه، ولا حاجة لفتح حياته أمام كل مجلس أو جعله مادةً للحديث.
المجالس للوناسة وسعة الصدر، ولحديثٍ ذي فائدة يترك أثرًا طيبًا؛ فحين يستقيم الكلام في موضعه، يبقى خفيفًا يُريح النفس ولا يُثقلها، ويمنح الحضور شعورًا بالأُلفة لا الترقُّب، وقيمة الحديث تُقاس بما يُضيفه من معنى، لا بعدد الأسئلة التي يطرحها، ولا بكمِّ التفاصيل التي يكشفها عن الغائبين.
والأجمل أن تُقال عبارات تحفظ المسافة: عساك بخير؟ إن شاء الله أمورك طيبة؛ كلمات قصيرة تفتح بابًا مريحًا، وتترك للآخر حرية ما يقول وما يترك؛ فالاحترام لا يحتاج إلى تفاصيل، والمودة لا تُقاس بكمّ المعرفة، وحين نكفُّ عمَّا لا يعنينا، نكتشف أن الصمت اتزانٌ، وأن ترك المسافة احترامٌ يرفع من قدر الجميع؛ فحياة الناس ليست مجالًا للعرض، والذوق أن تعرف متى تسألُ، ومتى تصمتُ، ومتى تكتفي بابتسامةٍ تُغني عن أسئلة كثيرة، وتُبقي الودَّ نقيًّا كما بدأ.
ضوء
قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكَهُ ما لا يَعنيهُ».