د. رانيا القرعاوي
عندما تم الإعلان عن رؤية السعودية 2030 في 2016 كان استقبال الناس لها بمزيج من التفاؤل والترقب والانتظار، فقد كانت خطة وطنية لإعادة تشكيل الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل ورفع كفاءة الأداء الحكومي. أما اليوم، وبعد صدور التقرير السنوي لعام 2025، لم تعد تُقاس في وعي المواطن بالأهداف المجردة أو المؤشرات الرسمية فقط، بل بما أحدثته من أثر ملموس في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا يكمن أحد أهم أسرار نجاحها: أنها انتقلت من مرحلة الأفكار إلى مرحلة الواقع.
لقد أظهر التقرير السنوي لعام 2025 استمرار التقدم في عدد من المستهدفات الرئيسية، سواء في الإسكان، والسياحة، وجودة الحياة، وتمكين المرأة، والتحول الرقمي، وجذب الاستثمارات، وتطوير المدن والخدمات. لكن ما يستحق التوقف ليس الأرقام وحدها، بل كيف تناول الإعلام هذه الأرقام، وكيف نجح في تحويلها إلى قصة مجتمع، لا مجرد تقرير دولة.
في المراحل الأولى من إطلاق الرؤية، كان الخطاب الإعلامي طبيعيًا أن يركز على لغة الأهداف الكبرى: اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي، وطن طموح، ومؤشرات أداء ومشروعات استراتيجية. كان المطلوب آنذاك بناء الوعي، وشرح الاتجاه، وإقناع الداخل والخارج بجدية التحول. ومع مرور الوقت، تطور التناول الإعلامي من شرح «ما سنفعله» إلى إبراز «ما تحقق فعلًا».
وهنا حدث التحول الأهم. لم يعد المواطن يسمع عن الرؤية كعنوان كبير فقط، بل بدأ يراها في حياته: خيارات سكن أوسع، خدمات رقمية أسرع، فعاليات ثقافية وترفيهية، فرص عمل جديدة، حضور نسائي أكبر في سوق العمل، ووجهات سياحية داخلية تستقطب العائلة والمستثمر والزائر. الإعلام الذكي أدرك مبكرًا أن المواطن لا يعيش الأرقام… بل يعيش الأثر.
ولهذا، فإن من أهم ما نجح فيه الإعلام السعودي خلال السنوات الماضية هو ربط الإنجاز بالمواطن. فعندما يُعلن ارتفاع نسبة تملك المساكن، فالقصة الحقيقية ليست النسبة، بل الأسرة التي امتلكت منزلها الأول. وعندما تُنشر أرقام السياحة، فالقصة ليست عدد الزوار فقط، بل الوظائف الجديدة، والحراك الاقتصادي، وتحول المدن إلى وجهات نابضة بالحياة. وعندما تُذكر مؤشرات التحول الرقمي، فالقصة هي الوقت الذي اختصره المواطن، والخدمة التي حصل عليها بسهولة. هذا النوع من السرد هو ما نقل الرؤية من خانة «المشروع الحكومي» إلى خانة «الشعور الوطني». فالمواطن بطبيعته لا يرتبط بالبيانات الجامدة، بل بما يلامس حياته ويعزز ثقته بالمستقبل. وهنا يصبح الإعلام شريكًا في صناعة الأثر، لا مجرد ناقل له.
تشير تجارب الاتصال الحكومي عالميًا إلى أن المبادرات الوطنية الكبرى تنجح عندما يشعر المواطن بأنه جزء منها، لا متفرج عليها. وهذا ما تحقق بدرجات واضحة في الحالة السعودية؛ إذ لم تعد الرؤية موضوعًا للنخب الاقتصادية فقط، بل حديث الأسرة، والطالب، ورائد الأعمال، والموظف، والمرأة، والشاب الباحث عن فرصة.
لكن النجاح الذي تحقق لا يعني الاكتفاء بالأسلوب ذاته. فالمرحلة المقبلة تتطلب نقلة إعلامية جديدة: من تغطية الإنجاز إلى ملكية الإنجاز. أي أن يشعر المواطن أن ما تحقق لم يحدث له فقط... بل حدث بمشاركته، ومن أجله، وأن القادم أيضًا يخصه.
كيف يتم ذلك؟ أولًا، عبر الإكثار من قصص الأفراد لا المؤسسات فقط. ثانيًا، ربط كل مؤشر اقتصادي بلغة الحياة اليومية. ثالثًا، إبراز الإرث الذي ستتركه هذه المرحلة للأجيال القادمة. رابعًا، الانتقال من الحديث عن «رؤية 2030» كموعد نهائي، إلى الحديث عن «ما بعد 2030» بوصفه بداية لمكانة جديدة للمملكة. لقد نجحت رؤية السعودية 2030 لأنها لم تُقدَّم كمشروع حكومي بعيد، بل كرحلة وطن يعيشها الناس يوميًا. وتقرير 2025 يؤكد أن التحول لم يعد مجرد خطط على الورق، بل واقع يتسع عامًا بعد عام.
التحدي القادم ليس في إثبات النجاح... بل في تعميق الإحساس به. وليس في نشر الأرقام… بل في جعل كل مواطن يرى نفسه داخلها. الإعلام السنع يدرك أن أعظم الإنجازات هي التي يشعر بها المواطن قبل أن يعلنها الإعلام والمؤثرين.