أنور الدوامي
تجاوز عدد سكان كوكب الأرض 8 مليارات نسمة، وغالبية هؤلاء إما عامل أو صاحب عمل، أو مرّ بإحدى هاتين التجربتين.
في بيئات العمل الحديثة التي يفترض أن تقوم على التعاون وتبادل الخبرات، لا يزال القرار في كثير من الأحيان حبيس رأي فرد واحد. وهنا يظهر ما يُعرف بالفيتو الإداري، حيث يمتلك شخص واحد سلطة إيقاف القرارات، حتى وإن كانت مدعومة من فريق كامل.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حقيقية: هل ما زالت هذه الممارسات صالحة اليوم؟ أم أنها أصبحت عائقًا أمام التطور؟
من الذي منح شخصًا واحدًا هذا الحق المطلق؟
ومن يضمن أن هذا الشخص متوازن، غير أناني، ولا يُشخصن عند الاختلاف؟
هل يوجد نموذج إداري جامعي أو ديمقراطي في العالم يختلف عن صلاحيات المدير المعروفة؟
في كثير من الجهات، تُعرض القرارات على أنها صادرة عن لجان، بينما الحقيقة أن الحسم النهائي بيد شخص واحد، قادر على تعطيل أي قرار لا يتوافق مع رأيه. ولا يتوقف الأمر عند حدود القرار، بل قد يمتد إلى التأثير على المسار المهني للموظف، أو حتى استبعاده، لمجرد امتلاكه رأيًا مختلفًا.
ومع الوقت، تتحول هذه البيئة إلى ثقافة صامتة، يتعلم فيها الموظف أن النجاة في الموافقة، لا في التفكير.
عندما يدرك الموظفون أن رأيهم قد يُلغى بسهولة تتراجع مشاركتهم ويقل الحماس ويفقدون الإحساس بقيمة آرائهم وبذلك يتحول الفريق من مصدر قوة إلى مجرد منفذ للتعليمات.
الفيتو الإداري غالبًا ما يقف في وجه الأفكار الجديدة، أو التغيير.
ومع تكرار الرفض، يتوقف الأفراد عن طرح أفكارهم من الأساس، فتخسر المؤسسة فرصًا حقيقية للتطور.
إن منح شخص واحد صلاحية الحسم يزيد احتمالية التحيز ويفتح الباب للقرارات الشخصية ويضعف الشفافية، وهذا يتعارض مع مفاهيم الإدارة الحديثة التي تقوم على التوازن والمساءلة.
خلال دراستي للماجستير في إدارة الأعمال، مررت بنماذج متعددة لأنماط المديرين مثل:
- مدير لا يرى إلا الإنتاج، متجاهلًا فريقه.
- مدير متوازن، يجمع بين النتائج والاهتمام بالناس.
- مدير مفوِّض، يراقب من بعيد.
- مدير غير مبالٍ، يترك الأمور بلا توجيه.
لكن لا أذكر أنها شملت نموذجًا آخر خطير وهو المدير الشخصوني، الذي يخلط بين العمل ومشاعره، فيدير الفريق بناءً على القرب والاختلاف والمحسوبيات، لا على الكفاءة. هذا النوع لا يطوّر فريقه، بل يفضّل إحاطة نفسه بأشخاص ضعيفي الشخصية أو متجنبين للمواجهة، لضمان بقاء القرار بيده. عندما يجتمع هذا النمط مع الفيتو الإداري، تتحول الصلاحية إلى وسيلة سيطرة ويرفض الرأي لا لضعفه، بل لأنه مختلف وتُهمّش الكفاءات لا لقصورها، بل لاستقلاليتها.
وهنا تفقد بيئة العمل تنوع التفكير رغم كل ذلك، قد يُقال إن الفيتو الإداري ضروري في بعض الحالات، مثل الأزمات أو القرارات المصيرية التي تتطلب حسمًا سريعًا. وهذا صحيح إلى حد ما، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الفيتو، بل في تحوّله إلى ممارسة دائمة، تعكس ضعفًا في بناء نظام إداري صحي ومتوازن.
بدل الاعتماد على الفيتو الفردي، يمكن تبني بدائل أكثر نضجًا مثل تعزيز القرار الجماعي ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات بشكل عادل وتفعيل المساءلة على الجميع، لا على فرد واحد ومراجعة القرارات التي تم رفضها أو تهميشها قبل القرارات التي تم الموافقة عليها.
الإدارة ليست سلطة تُمارس، بل مسؤولية تُشارك. والمؤسسات التي تُدار بعقل واحد، مهما بلغت خبرته، تظل محدودة مقارنة بتلك التي تستثمر في عقول فريقها.
إن تقليل الاعتماد على الفيتو الإداري ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة حقيقية لخلق بيئة عمل عادلة، محفزة، وقادرة على الابتكار والاستمرار.