د.عبدالله بن موسى الطاير
والحديث ذو شجون، وزيارة الملك تشارلز الثالث إلى أمريكا ربطت بين الكثير من الشؤون. لكني بداية أريد التطرق إلى مفارقة غريبة؛ إذ هو ثاني ملك بريطاني يخاطب جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي بعد والدته عام 1991م، وحظي رؤساء وزراء بريطانيا بمخاطبة الكونجرس 7 مرات منذ عام 1941م، ما يجعل بريطانيا على قدم المساواة في عدد المرات مع إسرائيل، وبتفوق لنتنياهو (4 مرات) على ونستون تشرشل (3 مرات).
تحدث الملك البريطاني بخفة ظل ولباقة محسوبتين أمام قاعة منقسمة سياسياً، وسلك نهجاً حذراً بين الاحترام وحفظ الكرامة، وجامل الجمهورية من غير أن يخضع لها. باختصار، كان ذلك أداء ملك تعلم أن البقاء في المدار الأمريكي يتطلب الكثير من الحصافة في منح واشنطن ما تريده، من دون أن تتخلى عما أنت عليه.
كان الملك عبدالعزيز قد أدرك ذلك قبل ولادة الملك تشارلز بعقدين تقريباً، حينئذ لم تكن العلاقة بين بريطانيا وشبه الجزيرة العربية بين أطراف متكافئة، بل كانت لندن تنظر إلى القائد السعودي الذي يبدأ مسيرته لتوحيد المملكة بوصفه مشروعاً قادراً على تهدئة الداخل، بينما تدير القوة البريطانية السواحل، والمشيخات التي أقامتها. وحين وصل الجيولوجيون ورجال النفط الأمريكيون في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، اتخذ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- قراراً غيَّر المشهد برمته. قدم الأمريكيون عروضاً أفضل بقليل من الشركات البريطانية للحصول على امتيازات النفط، والأهم أنهم جاؤوا من دون العبء الإمبراطوري. لم يكن لدى الأمريكيين إذ ذاك أطماع، ولا عملاء في المنطقة، ولا شبكة من المقيمات الاستعمارية يديرونها في الجوار السعودي. لذلك لم يكن منح امتياز التنقيب عن النفط للشركات الأمريكية مجرد صفقة تجارية، بل كان إعادة تموضع استراتيجي أدركه المؤسس -رحمه الله- بثاقب بصيرته، فقد كان يستثمر في حليف مختلف.
تأكد هذا المنطق في استقبال الرئيس روزفلت للأمير فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- (الملك لاحقاً) في سبتمبر عام 1943م، حيث أغدق سيد البيت الأبيض الثناء في حفل العشاء على الملك عبدالعزيز وهو لم يقابله بعد. ثم توطد التحالف في اللقاء الذي جمع القائدين على متن السفينة الأمريكية كوينسي في فبراير 1945م. فهم الرجلان بعضهما البعض على نحو غير متكلف، ونمت بينهما علاقة ثقة وصداقة شخصية فتحت الأبواب لعلاقات استراتيجية نضجت مع الوقت وتوالي الأحداث. كانت أمريكا تريد النفط والاستقرار، وكانت المملكة ترغب في قوة وازنة من خارج المنطقة تعدل الكفة مع بريطانيا وفرنسا. لم توقع معاهدة رسمية على متن كوينسي؛ فقد استند التحالف إلى تفاهم شخصي عميق متبادل أسس بنية علاقة دامت عقوداً بعد رحيل الزعيمين. هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فملك يختار التحالف مع جمهورية؛ وجمهورية وُلدت من تمرد أطاح بالملكية تمد يدها للملك السعودي بكل قناعة.
ازدادت المفارقة عمقاً مع إزاحة القوة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط الهيمنة البريطانية. من الناحية النظرية، كان صناع السياسة في واشنطن يمقتون النظام الاستعماري القديم وترتيباته الملكية الحاكمة. وأسقطت أمريكا بشكل مباشر وغير مباشر الملكيات في مصر، والعراق، وليبيا، واليمن، وكانت تراها إما قريبة أكثر من اللازم إلى بريطانيا، أو معادية أكثر من اللازم للمصالح الأمريكية، أو هشة أمام ضغوط داخلية لم تستطع واشنطن وقفها. أما المملكة فلم تكن أياً من ذلك.
ما جعل العلاقات السعودية - الأمريكية تدوم هو افتقارها إلى العاطفة، واستنادها إلى مصالح مشتركة انحنت أمامها الأيديولوجيا وتباينات الحزبين الجمهوري والديموقراطي. الصراحة المتبادلة بين المملكة وأمريكا هي التي حصّنت العلاقة من العواصف التي اقتلعت علاقات أخرى في المنطقة وخارجها.
تمثلت عبقرية القيادة السعودية في قدرتها على تقديم نفسها بوصفها طرفاً لا غنى عنه، من دون أن تتحول إلى تابع، ولم تضع الرياض بيضها كله في سلة واحدة؛ فقد أبقت قنواتها مفتوحة مع بريطانيا، ونسجت علاقات عبر العالم الإسلامي، وانفتحت على الشرق، وعلى روسيا لاحقاً، وتعلمت كيف تستخدم نفوذها في الطاقة بمهارة. المملكة تعرف كيف تقلق واشنطن بالقدر الكافي لتعيدها إلى مسار المصالح المشتركة، وكيف تطمئنها بالقدر الكافي لمنعها من المبالغة في رد الفعل.
جاء الملك تشارلز إلى أمريكا وغادر بانتصار تاريخي، لقد سحر الجمهورية التي خاضت حرباً دامية للتحرر من حكم أسلافه. أما السعوديون فقد فعلوا شيئاً مشابهاً، من حيث البنية، فعلى مدى ما يقرب من قرن جعلوا أقوى دولة على الأرض تراهم لا مجرد طرف مفيد، بل طرف لا يمكن الاستغناء عنه.
لقد أدركت الإمبراطورية البريطانية، متأخراً، أن الملك عبدالعزيز لم يكن تابعاً، وإنما يدير مصالحه بدهاء وبطريقته الخاصة، وقضى الأمريكيون ثمانين عاماً يتعلمون الدرس نفسه، وينتهون إلى الاحترام ذاته. إنه فن القيادة السعودية في إدارة الدولة ومصالحها.