د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
انطلقت رؤية المملكة 2030 من إدراك عميق لمكامن قوة السعودية، فهي قلب العالم؛ لما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي، فهي محور ربط يصل بين قارات العالم، ماراً بها أهم المعابر حيوية، لتكون قلباً للتجارة والاقتصاد العالمي، وضامناً لاستدامة سلاسل الإمداد العالمية، مما يضع السعودية أمام مسؤولية مضاعفة واستدامة تنميتها، بما يحفظ مكتسباتها، لتحقيق مزيد من الرفعة والازدهار للوطن والمواطن وللمنطقة عموماً.
ووفقاً لتقرير الرؤية السنوية 2024 الذي صدر في أبريل 2026 تحولت 93% من مؤشرات الرؤية إلى واقع ملموس أو قاربت على التحقق، فقد حققت السعودية إنجازات اقتصادية، وإنجازات اجتماعية، وإنجازات هيكلية، وعقد من العمل المتين، خلال أقل من 10 سنوات 2016-2026، نقلت السعودية الطموحات من طموحات إلى منجزات وواقع ملموس، مثبتة قدرتها على إعادة هيكلة اقتصادها ومجتمعها، لتصبح نموذجاً عالمياً ملهماً في التحولات التنموية السريعة، وأصبحت أعظم قصة نجاح في القرن الـ21 رغم التقلبات الإقليمية والعالمية.
البيانات لم تعد تترك مجالاً كبيراً للتكهنات، خصوصاً مع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة في 2026، حيث انطلقت الرؤية من التركيز على إطلاق المبادرات وتسريعها إلى التركيز على تعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، تتسق مع تصميم الرؤية التي قامت منذ إطلاقها على أربعة مسارات، تنويع الاقتصاد، تمكين المجتمع، تعزيز جاذبية السعودية للعيش والعمل، وترسيخ الاستدامة كإطار جامع، مع توقع نمو متسارع للاقتصاد السعودي، ما جعل وزارة المالية تتوقع نمواً 5.6 % لعام 2026 ونحو 6% لعام 2027 فيما توقع البنك الدولي نمواً 4.3%، 4.4% على التوالي للعامين.
الدلالة البارزة أصبحت الأنشطة غير النفطية تشكل 55% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت تمثل 45% منذ انطلاق الرؤية عام 2016، بالتوازي ارتفعت مساهمة القطاع الخاص مرتفعاً من 37.5% عام 2016 إلى 51% من الناتج المحلي، متجاوزة مستهدفها السنوي للعام الثاني على التوالي، مدعوماً بتوسع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي ارتفعت حصتها من التمويل المصرفي إلى 11.3% بعد أن كانت عند مستويات متدنية لا تتجاوز 2 % في بداية الرؤية.
بلغ عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة 1761 ألف منشاة في 2025 بعد أن كانت 429 ألف منشأة في 2016، مع ارتفاع الناتج المحلي غير النفطي من 1.187 تريليون ريال عام 2016 إلى 3.35 تريليون ريال، قريباً جداً من مستهدفه المرحلي البالغ 3.39 تريليون، يدل على أن الاقتصاد السعودي يتحرك ضمن مزيج أوسع من الأنشطة، ومدفوعاً بتوسع القاعدة الإنتاجية، وتحسن بيئة العمل، مع ارتفاع عدد المصانع بنسبة 79% إلى 12900 مصنع منذ 2016، رغم وصول الصادرات غير النفطية مستويات قياسية 622 مليار ريال مرتفعة من 242.6 مليار عام 2016، لا تزال دون المستهدف كنسبة من الناتج المحلي بـ22.1 % أقل من المستهدف بـ38 %.
في موازاة الصناعة يظهر ملف الأمن الغذائي كجزء مكمل لمسار التوطين، حيث تضاعف الإنتاج الزراعي من 6 ملايين طن إلى اكثر من 12 مليون طن، لأن السعودية تدعم الزراعة الذكية، وتطوير الإنتاج الملحي من الدواجن والحبوب، وتوسيع الاستثمارات الزراعية الخارجية عبر شركة سالك، ارتفعت مستويات الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، لتصل إلى 76% في الدواجن، و69% في الأسماك والروبيان، و55% من اللحوم الحمراء، تجاوزت 100% في بيض المائدة والألبان، ما يشير إلى تحقيق فائض في بعض المنتجات، حتى تجاوز سوق الزراعة والغذاء إلى 450 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة مقابل 350 ملياراً حاليا.
ارتفاع توطين الصناعات العسكرية إلى 24.89% مقابل 7.7 في 2022، في واحدة من أسرع قفزات التوطين القطاعي، مدعوماً بحزمة من السياسات، تشمل اتفاقيات شراء إطارية، وحوافز ضريبية.
تتجه السعودية نحو التحول لمركز لوجستي عالمي، باستثمارات تريليونية النفط المستدام، وشهد عام 2025 ارتفاع المراكز اللوجستية المفعلة إلى 24 إضافة إلى زيادة عدد مناطق الإيداع من 6 مرخصة إلى 21 منطقة، كما تشير البيانات إلى تحسن واضح في جاذبية السوق السعودية، حيث افتتحت شركات عالمية مقرات لها في الرياض وصل عددها إلى أكثر من 700 شركة، متخطية مستهدف 2030.
بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية خلال عام 2025 الأعلى تاريخياً، 32.6 مليار دولار ارتفاعاً بـ53% على أساس سنوي، بلغت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر من الناتج المحلي 2.85% وهي أقل من المستهدف في 2025 البالغ 3.4%، رغم ذلك تصنف السعودية ضمن أفضل 10 مراكز في العالم من حيث سهولة التعامل والبنية التحتية الجاذبة للاستثمار، وتقدمت في مؤشر التنافسية العالمية أكثر من 20 مرتبة لتحتل المرتبة الـ17 عالمياً.
ومن أبرز قصص النمو بلغ عدد السياح 123 مليون زائر، متجاوزاً الهدف البالغ 100 مليون، ما دفع إلى رفع المستهدف إلى 150 مليوناً، وسجل الإنفاق السياحي 42.6 مليار دولار ارتفاعاً من 11.1 مليار دولار عام 2016، كما وصلت نسبة تملك الأسر 66.24%، كما يكشف مسار صندوق الاستثمارات العامة تضاعف أصوله من 720 مليار ريال في 2016 إلى 3.41 تريليون ريال في 2025، فيما المستهدف 4.1 تريليون ريال، وسيتجه الصندوق إلى إعادة هيكلة المحفظة إلى منظومات اقتصادية أكثر تكاملاً، ومرحلة جديدة من تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر، والانتقال من مرحلة التوسع إلى مرحلة أكثر تركيزاً على القيمة.
هذه التطورات مجتمعة تعكس بناء قاعدة اقتصادية أوسع، لا تعتمد فقط على تنويع مصادر الدخل، بل أيضاً على تعميق الإنتاج المحلي في قطاعات استراتيجية، وانتقال تدريجي من اقتصاد يستند إلى الإنفاق الحكومي كمحرك رئيسي، إلى اقتصاد يحاول توسيع قاعدة التمويل والاستثمار عبر شراكات ورؤوس أموال خارجية.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً