د. تنيضب الفايدي
تُعدّ غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية، وقد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره من المدينة إلى تبوك وعودته منها في عدة مواقع، عرفت فيما بعد بمساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كلّف الكاتب من قبل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لإعداد دراسة غزوة تبوك بعناصرها المتعددة، ومنها دراسة ميدانية لمسار غزوة تبوك ومصليات رسول الله صلى الله عليه وسلم طول مساره لغزوة تبوك، وقد بادر الباحث فور تكليفه بهذه المهمة من أول يوم حيث قام بالرحلة من المدينة المنورة إلى تبوك مرتين متتاليتين وقطع ما يقارب أربعة آلاف كيلومتر لتتبع تلك المواقع، ومن تلك المواقع فيفاء الفحلتين الواقع في طريقه إلى غزوة تبوك، وهو المرحلة الثانية من المدينة إلى تبوك بعد ذي الخشب، لذا يُعد جبل الفحلتين من المعالم الجغرافية البارزة شمال المدينة المنورة، والفحلتان هما صخرتان على جبل يقع إلى الغرب من وادي إضم عند قرية البوير اليوم. ومن الجبل إلى الوادي مفازة واسعة لا شك أن الجيش قد استراح فيها للمرحلة الثانية. وتبعد الفيفاء عن ذي خشب مسافة 47 سبعة وأربعين كيلا وعن المدينة المنورة 87 كيلا. والفيفاء بالفتح وتكرير الفاء: المفازة التي لا ماء فيها من الاستواء والسعة، فإذا أنث فهي الفيفاء وجمعها الفيافي، وقد وردت باسم فيفاء الفحلتين وذلك نسبة إلى الجبل الذي تقع عليه هاتان الفحلتان والذي يكتنفها من الغرب، ويخترق وادي إضم هذه الفيفاء من طرفها الشرقي حيث تمر جادة القوافل القديمة بعد انحدارها من (مدرّجة). ومدرّجة -بتشديد الراء المفتوحة وبعدها جيم مفتوحة -عبارة عن عقبة تصعد الحافة الشرقية للوادي مبتعدة قليلاً عنه، لتفادي المرور ببطن الوادي الذي كان عبارة عن غابات كثيفة لا مجال للدواب أن تعبرها آنذاك إلا عبر ممرات محددة لا يعرفها إلا الأدلاء الخبراء في تلك المناطق، فتعبر الطريق طرف الحرة المحاذية لوادي الحمض من الشرق لتنزل إلى ما يعرف اليوم بشجوى القديمة.
ولم يرد أي ذكر في السير لمدرجة هذه، وهو ما يدعو للاعتقاد أنها ربما تكون قد رصفت في الأزمنة الإسلامية المتأخرة عندما بدأت عناية الدول الإسلامية المتعاقبة بطرق الحج، حيث إنها تقع على طريق الحج الشامي والمصري، والذي يظهر أن الجيش النبوي مرّ من الناحية الغربية للوادي عبر الفيفاء (فيفاء الفحلتين)، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم عندها هناك. وقد تم رصف هذه العقبة بشكل متقن أشد الإتقان وذلك باستخدام صخور الحرة المشذبة بشكل مسطح. ووقف الباحث على هذه الجادة وقياسها فبلغ عرضها قرابة عشرة أمتار عرضاً بطول 203 أمتار.
وفيفاء الفحلتين من المواقع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقد اهتم بها المؤرخون والرحّالة وأصحاب السير اهتماماً بالغاً حيث ذكروا تلك المواقع، قال ابن رشد: «بنى النبي صلى الله عليه وسلم بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجداً، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب». قال ابن اسحاق: كانت المساجد معلومةً مسماه». وجاء في كتاب المراغي في تعداد مساجد النبي «ومسجد بفيفاء الفحلتين وهي من عمل المدينة أيضا، وكان بها عيون وبساتين لجماعة من أولاد الصحابة وغيرهم»، ومن المتقدمين الذين رصدوا مواقع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم أثناء ذهابه إلى غزوة تبوك ورجوعه الحربي صاحب كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، ثم من جاء بعده، ومنهم الفيروزآبادي صاحب كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة»، وبعدهم السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» وغيرهم من المؤرخين، وقد أورد الرحالة محمد بن عبدالله المولوي في كتابه «رحلة الشتاء والصيف» بأن الموقع يضم قناتين على شاهق جبل من غربي الجادة، بينما ذكر السويدي في «النفحة المسكية في الرحلة المكية» أن التسمية تعود إلى انعزال الجبل عن العمران، كالفحل الذي إذا قرع الإبل اعتزلها، وقال الخياري المدني: «الفحلتان ويسمى حصن عنتر منزل كله رمل قابلنا بوجه أمرد من النبات، قل ماؤه وتعطل حياؤه. وهذه البلاد كثيرة الحجارة والطريق فيها مارة بين جبال فقِلنا بهذه المنزلة إلى أن صلينا العصر وسافرنا إلى ضحوة الغد». وقال النابلسي في الحقيقة والمجاز: «كانت تسمى كذلك حصن عنتر، اشتهرت عند الحجاج بقلة الماء وشدة الحر وكثرة الغبار».
يقول أحد المؤرخين: «انحصرت عناية المؤرخين المسلمين بالنسبة لتبوك في ناحيتين، أولاهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم غزاها وهي آخر غزوة وصل بها إلى حدود الشام، والثاني: عنايتهم بالمساجد النبوية الواقعة في الطريق بين المدينة وتبوك، وذلك أن المؤرخين الإسلاميين حرصوا أشد الحرص على تسجيل أسماء الأماكن التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أقدم من عني بذلك ابن إسحاق صاحب السيرة، ثم ابن هشام ملخصها، ومن المتقدمين الحربي صاحب كتاب المناسك ومنازل الحج، ثم من جاء بعده ومنهم الفيروزآبادي صاحب كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة»، وبعدهم السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» ولكنها اندثرت ولم يعرف الكثير من تلك المواقع لعدم معرفة الناس في الأعصر المتأخرة لتلك الأماكن، وذلك لوقوع التغيير في مسار الطريق أو التحريف في أسمائها.
يقول الخياري المدني في كتابه «تحفة الأدباء وسلوة الغرباء» عن هذه المساجد ما نصه: (وكانت مساجده صلى الله عليه وسلم في سفره إلى تبوك معروفة، ففي كل منزل نزله اتخذ مسجداً، وقد سلكت أنا هذه الطريق، وسلكها جمع كثير لا يحصى عددهم من المدنيين وغيرهم، ولم يقف أحد على تعيين محل منها في منزل من المنازل إلى أن وصلنا إلى تبوك، لا ظناً ولا تخميناً، فما بالك باليقين والتعيين، ومن لقيناه من البادية الذين ربما يكون عندهم خبر من ذلك، لم نسمع منهم شيئاً في ذلك، ولعل سببه ما هو معلوم من أن هذه الطريق انقطع سلوكها مدة مديدة أيام كانت الخلافة ببغداد فما كانت الحجوج ترد إلا من طريقها ولم نعلم إلى الآن متى كان ابتداء سلوكها من جهة الشام بعد انقطاعها لنا بيقين المدة المذكورة...».
وقد ذكر ابن هشام مساجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بين المدينة إلى تبوك، وهذه المساجد هي: مسجد بتبوك، ومسجد بثنية مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالأخضر، ومسجد بذات الخطمي، ومسجد بآلاء، ومسجد بطرف البتراء، من ذنب كواكب، ومسجد بالشق، شق تارا، ومسجد بذي الجيفة، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بالوادي (وادي القرى) ومسجد بالرقعة من الشقة، شقة بني عذرة، ومسجد بذي المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذي خشب. كما جاء ذكر الفحلتين في سرية زيد بن حارثة إلى حسمى فعندها التقى علي بن أبي طالب رضي الله عنه زيد بن حارثة رضي الله عنه في عودته من سرية سنة ست للهجرة وأبلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بردّ ما كان بيده من أسير أو سبي أو مال لمن معه من القوم وأراه سيفه صلى الله عليه وسلم ففعل رضي الله عنه.
وفيفاء الفحلتين ذكره عددٌ من المؤرخين؛ لأنه من المواقع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة تبوك، حيث ذكرها كلٌّ من: الفيروزآبادي في كتابه المغانم المطابة في معالم طابة، وأعطى السمهودي في كتابه وفاء الوفا ترتيباً لمساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «التاسع عشر بالفيفاء فيفاء الفحلتين وهما قناتان تحتهما صخر على يوم من المدينة». وقال في موضع آخر: «فحلان» تثنية فحل، والقرطبي في كتابه البيان والتحصيل، والمراغي في كتابه تحقيق النصرة من معالم دار الهجرة حيث يقول: «ومسجد بفيفاء الفحلتين وهي من عمل المدينة أيضاً، وكان بها عيون وبساتين لجماعة من أولاد الصحابة وغيرهم، ومنهم أزهر بن مكمل بن عوف القرشي الزهري، وكان فاضلاً وناسكاً، ويقال: إنه ذكر للخلافة وأبوه ابن عم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، مات بفيفاء الفحلتين، تولى دفنه ابن عمه حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف». وفي القاموس فحلان بالكسر موضع في أحد «الفحلتين» قنتان مرتفعتان على يوم من المدينة بينها وبين ذي المروة عند صحراء يقال لها فيفاء الفحلتين في مساجد تبوك» وذكر الهمداني فيفاء الفحلتين في كتابه صفة جزيرة العرب، كما ذكر الكبريتي الموسوي الفحلتين حيث يقول: «أتينا على الفحلتين وهما قُنّتان على شاهق جبل من غربي الجادة». وقال إبراهيم الخياري: «الفحلتان ويسمى حصن عنتر منزل كله رمل قابلنا بوجه أمرد من النبات، قل ماؤه وتعطل حياؤه. وهذه البلاد كثيرة الحجارة والطريق فيها مارة بين جبال فقِلنا بهذه المنزلة إلى أن صلينا العصر، ويقول النابلسي في كتابه الحقيقة والمجاز: «كانت تسمى كذلك حصن عنتر، اشتهرت عند الحجاج بقلة الماء وشدة الحر وكثرة الغبار» وأنشد:
أتيت الفحلتين وكنت فيما
أحاوله هناك قرير عين
وماء الفحلتين به نتاج
لشاربه كماء الفحلتين
وَوَقَعَ فِي رِحْلَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ الدُرَعِي الْمَغْرِبِيّ: وَنْزلْنَا الْفَحْلَتَيْنِ: وَقَدْ مَضَى مِنَ اللَّيْل خَمْسُ سَاعَاتٍ، وَبِهَا قَلْعَة صَغِيرَة حَصِينَةٌ، يَسْكُنُهَا الْحَرْس، وَآبَار عَذْبَة، يُخَزَّنُ بِهَا الشَّامِيُّ عَلَى عَادَةِ بَنَادِرَ دَرْب الْمِصْرِي، وَقَدْ حَدَثَتْ الْبْنَادِرَ بِالدَّرْب الشَّامِيِّ فِي هَذِهِ الأْزْمَانِ، وَقَبْل ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ، إِلاَّ أَنَّ عَادَة مَنْ يَحْرسُ هَذِهِ الْبْنَادِرَ الشَّامِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَ مِنَ مَرَّ بِهِمْ من حُجَّاجُ الْمِصْرِيِّينَ وَلاَ غَيْرِهِمْ أَنْ يَدْخُلَهَا، وَإِنَّمَا يُسَوّقونَ خَارِجِهَا.
وقال الجزيري في كتابه الدرر الفرائد المنظمة في أخبار مكة المعظمة: «ان الفحلتين مرحلة بها جبال، لا ماء ولا مرعى».
كما جاء ذكر الفحلتين في طريق الحج الشامي وهذا الطريق يمرّ من مدينة تبوك، وطريق تيماء الذي يتفرع من الطرق الرئيسة بعد تبوك ويتجه إلى المدينة مروراً بتيماء ثم خيبر، ودرب الظهر (طريق حسمى الشرقي) الذي يعبر جنوب الأردن إلى هضبة حسمى مروراً بوادي رم ليتصل بطريق الحج الرئيس جنوك تبوك.
وهذه الطرق اهتم بها الحكام المسلمون اهتماماً كبيراً حيث حفروا الآبار لتأمين الماء على مسار الطريق، كما بنوا البرك في المحطات وأنشأوا القلاع والأبراج لتوفير الأمن والحماية للحجاج، وبنوا الجسور على الأودية ومهدوا العقبات الصعبة مثل: عقبة الأخضر، كما وضعوا العلامات أي: علامات الطرق لإرشاد الحجاج. وسمي طريق الحج الشامي باسم التبوكية نسبةً إلى بلدة تبوك التي يمرّ عليها.
إن المحطات بين تبوك والعلا لم يتغير طوال العصور الإسلامية، إلا أن بعض اسم المحطات قد تغيرت باسم آخر، أما الجزء الواقع بين العلا والمدينة فقد كان له مسار قديم استخدم في الفترة الإسلامية المبكرة، ثم استخدم مسار آخر بعد القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي حيث إن الركب من بعد وادي القرى لا يسلكون وادي الحمض بل يذهبون إلى مغيراء ثم زمرد، ثم بالبئر الجديدة، ثم هدية، ثم الفحلتين، ثم آبار نصيف، ثم الحفيرة واصلا الى طابة الطيبة.
كما وصف درب الحج الشامي محمد بن أحمد المري وهو من القرن الثامن الهجري فيذكر الفحلتين:
ومن بعدُ في وادي هديَّة خيّمــــوا
على مورد لا بدَّ منه وإنْ ضرّا
وسرنا ووجه الصبح أبيضُ باسمٌ
فلاقت من السوداء أجمالنا شرّا
فسالت دماً فيها جِفانُ مطـيِّنا
على الصخر كالخنساء حين بكت صخـرا
وكان بقرب الفحلتين مبيتهـم
وإذ رحلوا خلّوا وراءهما الفجـرا
وبتنا لدى وادي القرى نأنس القِرى
وننشق من أرض الحجاز به عطرا
أقول (والكلام للكاتب): الفحلتان عبارة عن صخرتين كبيرتين فوق جبل شاهق تراه في الجهة الغربية خلف القلاع التركية الموجودة الى اليوم في شجوى والبوير، ويسمى الوادي المطل عليه والذي تتجمع فيه سيول تلك الجبال بمقرح الفحلة، وقد تغير اسمه في القرون المتأخرة فسمي اصطبل عنتر، وقد وقف الكاتب على فيفاء الفحلتين وهي أرض واسعة يبلغ طولها 15 كيلاً وعرضها 10 كيلومترات تقريباً، يحدّها شرقاً كلٌّ من شجوى والبوير وجنوباً (تيدد)، وتغطّى في الربيع بالنبات حسب الواقع الفعلي؛ لأن الكاتب يتردد كثيراً إلى فيفاء الفحلتين وما حولها، أقول هذا عن تجربة وليس كما ذكرها المؤرخون بأنها جرداء، وربّما سمي جبل الفحلتين؛ لأن الصخرتين الكبيرتين تشكّلان ما يشبه القرون لهذا الجبل، فكأنه فحلٌ من الجبال.
وكلٌّ من فيفاء الفحلتين وتيدد وشجوى والبوير (وبها محطة قطار متكاملة من بقايا سكة حديد الحجاز) مواقع تاريخية متقاربة، وهي قريبة من المدينة المنورة فيا حبذا لو سيّرت لها رحلات طلابية ليتم نقل التاريخ من الواقع وليس من الكتب.
** **
المراجع:
أخبار المدينة لابن زبالة، معجم البلدان للحموي، البيان والتحصيل لابن رشد، المغانم المطابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، كتاب المناسك للحربي، تحقيق النصرة للمراغي، السيرة النبوية لابن هشام، في شمال غرب الجزيرة للجاسر، صفة جزيرة العرب للهمداني، الدرر الفرائد المنظمة للجزيري، غزوة تبوك للدكتور/ تنيضب الفايدي، رحلة الشتاء والصيف لـ: محمد كبريت، الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور/ تنيضب الفايدي.