ميسون أبو بكر
الجامعة الأورومتوسطية في فاس والتي أبهر الحاضرين تصميمُها ومساحتها الكبيرة في قلب المدينة التاريخية فاس العاصمة الثقافية للمغرب، هي جامعة عالمية سواء في المواد التي تدرس بها على اختلافها، ثم في صرحها العظيم، والأساتذة المتميزون من كل أقطار العالم، وفي حضورها العالمي الدولي الذي لم يجعلها جامعة أكاديمية تدرس العلوم المختلفة فحسب، بل منصة علمية وثقافية عرفتها من خلال معالي د. عبدالحق عزوزي رئيس كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات عضو مجلس إدارة الجامعة، الكاتب في صحيفة الجزيرة السعودية، وكنت التقيته في برنامجي التلفزيوني قبل أكثر من خمسة عشر عاما في باريس.
«مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل «الذكاء الاصطناعي هو محور مؤتمر فاس لتحالف الحضارات الذي حضره محاضرون من سبعين دولة وأربعة قارات، من العلماء والقادة والساسة والمفكرين وسفراء الثقافة والإعلام، وهو موضوع مهم في زمن الحاجة الملحة للذكاء الاصطناعي في جوانبه الإيجابية التي تخدم البشرية، ولعل التفاؤل به فاق التوجسات التي شعر بها البعض تجاهه، وكيفية تطويره واستخدامه بطرق بعيدة عن السلبية ومضرة للبشرية كانت محور البحث والنقاش؛ حيث أكد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي معالي د. محمد العيسى في كلمته على ضرورة المحافظة على المبادئ والقيم في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي.
لعل من أبرز التوصيات التي ختم بها معالي رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور مصطفى بو سمينة المؤتمر هي التأكيد على ضرورة تطوير الذكاء الاصطناعي في إطار يحترم القيم الكونية والكرامة الإنسانية والشفافية.
ثلاث قاعات في الجامعة كانت تعج بالمحاضرين والحاضرين وطلبة الجامعات المغربية للاستفادة من قامات الفكر والمعرفة، وعلى مدى يومين كانت الرحلة للجامعة تبدأ من الثامنة صباحا ولا تنتهي إلا بعد العصر، حيث بدأ المشهد كخلية نحل، والنقاشات وتعارف الضيوف أنيقا ضمن برنامج حافل وزيارات للأماكن الأثرية في فاس روح المغرب.
إن موضوع مؤتمر فاس، كان مناسبة للقاء بكل تلك العقول المؤثرة التي قدمت من كل صوب بخلاصة تجربتها، وقد بُثت الجلسات مباشرة على شاشات الأمم المتحدة التي حضر سفراؤها.
لا تحضر في فاس إلا ونلت تصيبك الوافر من كرمها؛ سواء في الضيافة أو الاستقبال أو حتى تاريخها العريق الذي ينبض في جنباتها وأينما وليت بصرك.
ممّن التقيت بهم في فاس القريبة من حضارة الأندلس؛ سفيرة رومانيا في اليونسكو وسفيرة إسبانيا، وقد تحدثت الأولى باعتزاز وفخر عن الأميرة السعودية هيفاء بنت عبدالعزيز آل مقرن سفيرة المملكة في إسبانيا وعن نشاطاتها التي تتمثل بالدبلوماسية السعودية في الخارج، أما سفيرة إسبانيا قرأت عليها القصيدة المشهورة لنزار قباني عن فتاة غرناطة، وكانت روحها الطيبة وملامحها تذكرنا بالنساء العربيات، فقبلت فيها ذكرى تسمى طارق بن زياد.
لا يمكن أن أتحدث عن المغرب دون أن أخبرك عزيزي القارئ عن الموائد المغربية التي تعبر عن ثقافة البلد وثماره ومنتوجاته وإنسانه الذي يصنعها ويقدمها باحترافية، لطالما كان للسفرة المغربية خصوصيتها حول العالم من البسطيلة بالحوت (السمك) إلى الطواجن ثم المشوي إلى أصناف كثيرة أخرى، حتى ظننا أننا على سفرة الوالي الأندلسي في الكرم وطريقة التقديم حيث يدخل الرجال أفواجا يحملون الأطباق الكبيرة على مرات متتالية، وإذ أردت أن تعرف قبل أن تبدأ كم عدد الأطباق المقدمة عليك أن تعد مفارش المائدة أو الأطباق الموضوعة أمامك.
الرحلة إلى الجامعة الأورومتوسطية بشكل خاص عرفتنا على فخامة أجزاء الجامعة وملاعبها المعدة بعناية، وصالاتها الرياضية ومسبحها الكبير وقاعات الطلاب المشرعة للضوء والشمس.
في عالم يتسارع بخطاه تبقى حكمة الإنسان هي البوصلة نحو المستقبل الذي يجب أن يقود القرار فيه الإنسان وليس الذكاء الاصطناعي، حيث يخضع الأخير لمعايير الإنسانية ليبقى عاملا أمينا تحت القيادة الإنسانية الواعية.