باسم سلامة القليطي
في لفتةٍ تأملية ببرنامجه التلفزيوني، توقف الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- مندهشاً أمام شاشة التلفاز؛ ليرمي بعبارته العميقة: «من كان يصدق أن يموت المتكلم ويبقى الكلام؟». لم يكن الشيخ يجهل أن الكتب تحفظ أرواح أصحابها بين الدفتين، لكنه كان يشير إلى ذاك الانبعاث الحيّ للمتحدث؛ حيث لا يبقى الحرف صامتاً، بل يمتد عبر الشاشات بنبرة الصوت، وإيماءة الجسد، وهيبة الحضور، وتقاسيم الوجه التي تمنح المعنى أبعاداً لم تكن لتصل عبر القراءة وحدها. لقد أدرك الطنطاوي مبكراً أن التكنولوجيا لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت وعاءً يحفظ «الإنسان» كاملاً في لحظة كلامه، ليتحول الصوت العابر إلى أثرٍ خالد لا يمحوه الغياب.
المكان والزمان والكلمة؛ هي الثلاثية التي تصيغ مشهد التفاعل الإنساني. فالمكان لم يعد مجرد خشبة مسرح أو قاعة محاضرات يحضر فيها القائل بجسده، بل صار «المكان» هو كل نقطة يلتقي فيها الحرف بالعين، أو الصوت بالأذن، سواء كان ذلك عبر ورقة مطبوعة أو شاشة رقمية. أما الزمان، فقد تحرر من قيد اللحظة الراهنة؛ إذ بات المتلقي في عصرنا هو سيد الوقت، يختار متى يستحضر القائل، ومن أي عصرٍ يستدعيه. وبينهما تقف «الكلمة» بوصفها المحرك الأول، فهي سيدة التفاعل والآمرة الناهية، وهي التي تملك زمام الهداية والإرشاد، أو تفتح أبواب الغواية والتيه؛ إذ تظل دائماً المستودع الأكبر للأفكار والذاكرة الحية للأحداث.
حين أدركت البشرية أن الكلمة هي جوهر الوجود ومحرك التغيير، انقسم الناس حيالها إلى فريقين. فريقٌ عاقل بصرته البصيرة بقيمة الأثر، فبنى للمصلحة العامة صروحاً، واخترع المطابع، وشيّد المكتبات الفارهة، وجعل للكلمة المبدعة جوائز وحوافز تليق بمقامها؛ إيماناً منه بأن بقاء الأمم رهينٌ ببقاء فكرها. وفي المقابل، ظهر فريقٌ أعمى الجهل بصيرته، فخشي الكلمة وحاربها بكل ما أوتي من عنف؛ ظناً منه أن إحراق الورق يقتل الفكرة، فصبّ جام غضبه على الكتب والمفكرين، محاولاً طمس معالم العقل البشري عبر إبادة كل ما يُسطّر أو يُقرأ.
في توثيق مرير لهذه الحروب الثقافية، تسرد مؤلفة كتاب «إبادة الكتب» نماذج صارخة من القرن العشرين، حيث لم تكتفِ النزاعات بالقتل البشري، بل سعت إلى «القتل الثقافي». وما حدث في البوسنة والهرسك على يد القوات الصربية يظل جرحاً غائراً في ذاكرة الإنسانية؛ إذ استُهدفت المكتبات والمعاهد بوصفها العدو الأول. لقد قُصف المعهد الشرقي في سراييفو، لتلتهم النيران خمسة آلاف مخطوطة نادرة، ما بين عربية وعثمانية وفارسية، ومئتي ألف وثيقة تاريخية كانت تروي تفاصيل الحياة منذ القرن الرابع عشر. كان الهدف واضحاً: مسح هوية شعب عبر حرق أوراقه، وتجريد المدينة من ذاكرتها التي سكنت المخطوطات لقرون.
لم يكن هذا القصف الثقافي مجرد خطأ عسكري أو ضرر جانبي، بل كان استهدافاً مباشراً ومعترفاً به بلسان مرتكبيه. في سبتمبر عام 1992، وجهت مراسلة «بي بي سي» كيت آدي سؤالاً لقائد مدفعية صربي عن سبب قصف فندق «هوليدي إن» المدني، فأجاب بصلف ينم عن جهلٍ مطبق: «نعتذر عن قصف الفندق، لم نكن نقصده، بل كنا نريد قصف المتحف الوطني المجاور!». هذا الاعتراف يكشف عن رعب الجهل من «المتحف» و«الكتاب»، وعن الرغبة المسعورة في محو الشواهد التي تقول إن هناك من مرواً من هنا وتركوا عِلماً. وهو ما دفع الصحفي روبرت فيسك للقول بأسى: «إنهم يقتلون الموتى كما يقتلون الأحياء»، فالموتى يظلون أحياءً ومؤثرين ما بقيت كلماتهم تتداولها الألسن وتستوعبها العقول.
إن القاعدة التي لا تتغير هي أن «يموت القائل ويبقى الكلام». يرحل الأب وتظل كلماته التربوية بوصلةً في وجدان أبنائه، ويغيب المعلم وتظل نصائحه حيةً في مسيرة طلابه، ويوارى الخطيب الثرى وتبقى مواعظه متمثلة في سلوك من استمعوا إليه. حتى تلك «الكُليمة» الصغيرة، كما سماها الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع «كلمة وكُليمة»، لها قوة تفوق قوة الرصاص وأثراً يتجاوز حدود الزمن.
ذهب الرافعي، وذهب الطنطاوي، ورحل كل من سطّر حرفاً بصدق، ولكن بقيت كلماتهم وكليماتهم قناديل لا تنطفئ، تثبت للعالم في كل يوم أن الجسد فانٍ، وأن الكلمة هي الأمانة الوحيدة التي لا تموت.