خالد محمد الدوس
في ليلة الأربعاء الماضية، لم يكن ملعب «الأول بارك» مجرد ساحة لكرة القدم، بل تحوَّل إلى مسرح درامي بامتياز، لتُعرض على خشبته واحدة من أكثر المباريات توترًا وجدلًا بين الناديين العريقين( النصر والأهلي) هذا العام.
لم تكن الأحداث مجرد صراع على كرة، بل كانت نموذجًا حيًا لـ «النظرية الدرامية» لعالم الاجتماع الشهير (إرفينغ غوفمان)، الذي شبَّه الحياة الاجتماعية بـ«مسرح» ينقسم إلى «واجهة أمامية» حيث يؤدي الأفراد أدوارهم المصطنعة، و»منطقة خلفية»، حيث يسقط القناع وتظهر الحقائق.!
لكن حين (انهار الجدار).بين الخلفية والأمامية في تلك المباراة، تحولت الرياضة من رسالة بناءة إلى ميدان للتراشق والاشتباكات، وتحت عدسة هذه النظرية، لم تكن مباراة النصر والأهلي مجرد صراع على ثلاث نقاط..!،بل كانت «دراما غوفمانية» بامتياز..!!مما يطرح سؤالًا جوهريًا:كيف يمكن لحدث رياضي واحد أن يهدد سمعة دوري بكامله..!!؟،
وفقًا لغوفمان،«الواجهة الأمامية»هي المساحة التي نؤدي فيها أدوارنا أمام الجمهور. وفي ملعب«الأول بارك»الممتلئ بالجماهير،خلع بعض لاعبي الفريقين أثوابهم العادية وارتدوا عباءة «الصراع البطولي»..!! لم تكن الصدامات الجسدية والمشادات الكلامية مجرد ردود فعل لحظية،بل كانت عروضًا درامية محسوبة لإثبات الهيمنة والحضور،وكأنهم يصرخون للجمهور:«انظروا إلينا، هذه حقيقتنا»..!!
* الاستعراض بالشعارات،حيث رفع مدافع الأهلي( إصبعين) في وجه جماهير النصر، في إشارة إلى بطولتي الأهلي الآسيويتين، في مشهد أثارحماسة جماهير فريقه واستفزاز الخصم..!!
* والاحتفالات الاستفزازية لمهاجم النصر، الذي وضع النظارة الشمسية بعد هدفه مباشرة ليؤكد التفوق بلمسة «هوليوودية»أشعلت مواقع التواصل.!
كل هذه المشاهد لم تكن عشوائية،بل كانت لغة جسد واحتفالات هدفت إلى «إدارة الانطباع»وتوجيه رسالة واضحة بأن الفريق هو المسيطر الحقيقي على المسرح..!
إذا كان اللاعبون هم الممثلون على الخشبة فإن المدربين يتوليان الإخراج من الكواليس ومنطقة المواجهة الأمامية. لكن ليلة المباراة، تحول مدربا الفريقين إلى ممثلين رئيسيين في دراما منفصلة..نسيا أن دورهما الأساسي هو « الإخراج الصامت»،وليس «التمثيل الصاخب»..ساعتها (سقط القناع)عن الجميع وكشفت المباراة أن أكثر من يحتاج إلى» إدارة انطباع» واعية، هم أولئك الذين يقفون على خط التماس.
في النظرية الغوفمانية، تفصل مسافة شفافة بين «الواجهة الأمامية» حيث يؤدي الممثل دوره، وبين «المنطقة الخلفية» (الكواليس) إذ يمكنه أن يخلع قناعه ويكون على طبيعته. لكن في هذه الليلة، انهار هذا الفاصل تمامًا..!
بمجرد أن أطلق الحكم صافرة النهاية، تحول الملعب في لحظة صادمة إلى فوضى عارمة. وتطورت مشادة بين بعض لاعبي الفريقين ،واشتباكات بالأيدي من كلا الفريقين..!!
لكن الدراما الحقيقية حدثت في المنطقة الإعلامية،عندما ظهر مدافع الأهلي وهو يحمل ساقه المصابة، وفي عينيه بريق الاتهام، ليطلق تصريحًا «قنبلة» خارج عن النص..!!
قمة النصر والأهلي وضعت» نظرية غوفمان» أمام اختبار عملي قاسٍ في عالم الرياضة. هذه النظرية،التي وسعت رقعتها لتحليل كل شيء من صراعات الفرق إلى علاقات اللاعبين بالحكام، تقول لنا إن هذه السلوكيات ليست (جنونًا مؤقتًا)..!!إنها، في جوهرها، تجسيد حي لصراع الهوية والمكانة الاجتماعية. فالرياضة، كما يلخّصها (علم الاجتماع الرياضي)يمكن قراءتهاعبر ثلاثة استعارات غوفمانية:كـ «لعب»،وكـ «لعبة»،وكـ «طقس»..وعندما تتحول «اللعب»إلى «طقس» دموي،وتتحول «اللعبة» إلى حرب «مقدسة»، يصبح من الطبيعي أن تدخل في دائرة من «أعمال الوجه»، حيث تصبح حماية ماء الوجه أهمية قصوى، وفي بعض الأحيان، تبرر أي تصرف غير أخلاقي.
طبعا لم تكن مباراة النصر والأهلي مجرد «كلاسيكو» كروي؛ بل كانت لوحة جدارية ترسم بعبقرية المخاض الاجتماعي البشري. كل حركة وكل كلمة وكل دمعة وكل قبضة مرفوعة كانت جزءًا من سيناريو درامي كبير، يعيد إنتاج أعمق صراعاتنا الإنسانية على الهيمنة والاعتراف والهيبة.!
فالميدان الرياضي يمكن أن يكون..مختبرًا للانضباط، حيث يتعلم اللاعبون أن «النصر الحقيقي» يبدأ باحترام الخصم والحكم..ومسرحًا للقدوة، حين يرتقي النجوم فوق الصغائر ليكونوا نماذج يُحتذى بها..وجسرًا للتماسك الاجتماعي، كما نشاهده في الفرحة الوطنية بأي إنجاز رياضي.ولكن عندما تتحول المباريات إلى معارك شخصية واتهامات مكشوفة، فإن ذلك..يُفقِد الرياضة هدفها البنائي،ويحولها إلى مجرد صراع بقاء..يُسقط القدوة، خاصة أمام الجمهور الشاب الذي يبحث عن نماذج يحتذي بها..وبالتالي قد يُضعف سمعة الدوري السعودي الذي تبنته قيادته كواجهة مشرقة للبلاد.إن الدعم «الاستثنائي» الذي توليه القيادة الرشيدة للقطاع الرياضي ليس مجرد تمويل، بل هو تكريس للرياضة كقيمة وطنية.وهنا تبرزالمسؤولية التي ترى في الرياضة رافعة للوعي والفكر وبناء للقيم وتنمية الروح الرياضية..لا ساحة للفوضى والصرعات والمشاحنات.!
وأخيراً على الأندية الرياضية أن تزرع الوعي بـ«إدارة الانطباع» في صفوف لاعبيها، وتجعل «الروح الرياضية» جزءًا من عقودهم الاحترافية.