فائز بن سلمان الحمدي
كم من قلب دفنت فيه الحياة وهو ينبض، وكم من علاقة بقيت قائمة الاسم، ساقطة المعنى، تمشي بين الناس كهيكل بلا روح؛ لا لأنها قطعت، بل لأنها استنزفت حتى خلت؟ ليست المآسي كلها صاخبة، ولا الانهيارات كلها مدوية؛ بل لعل أفدحها ما يجري في صمت، حين يتآكل الود من الداخل كما تأكل النار الحطب في جوف الرماد، لا يرى لهيبها، ولكن يرى أثرها حين لا يبقى إلا السواد.
وهذا الداء لا يختص بعلاقة دون أخرى؛ بل يسري في كل وشائج البشر: بين أخوين تقاسما الدم ثم فرقتهما الغفلة، وبين صديقين جمعتهما الأرواح ثم بعثرهما الإهمال، وبين زميلين شدتهما المصلحة ثم فككهما الجفاء. فالعلاقات -كل العلاقات- إذا نزعت منها الحقوق، صارت أسماء تتلى لا حقائق تعاش، وأطرا خاوية تؤدى فيها الأدوار بلا روح. غير أن لعلاقة الزوجين مقاما أفخم، وخطرا أعظم؛ فهي ليست رابطة عابرة، بل ميثاق غليظ، تبنى عليه السكينة، وتستمد منه الطمأنينة، وتتشعب عنه حياة كاملة. فإذا دب إليها الإهمال، لم يقف أثره عند قلب واحد، بل تزلزلت معه أركان البيت، وخبا نور المودة، وانسحبت الرحمة من التفاصيل. في سائر العلاقات قد يعوض الفاقد، أو يستدرك النقص، أما في الزواج، فإن التصدع إذا استحكم أحدث في النفس فجوة لا تسد بسهولة، لأنه كان موضع السكن، فإذا اضطرب السكن، اضطرب ما سواه. والخراب هنا لا يجيء عاصفا، بل زاحفا؛ يبدأ بحق يؤخر، وخاطر يكسر، واهتمام يؤجل، واعتذار يسوف، حتى تتراكم الصغائر فتغدو قدرا ثقيلا يهوي بالعلاقة دون أن يسمع أحد ارتطامها. يحسن المرء تدبير شأنه في دنياه، ويحكم حسابه في ماله، ثم يفلس في أعز ما يملك: في قلب أودع عنده أمانة، فلم يحفظه، وفي ود أسند إليه، فلم يرعه.
وما أشد جهل الإنسان حين يظن أن القلوب تقيم على حال واحدة، وأن من يحبه سيبقى كما هو مهما قصر وأعرض. يركن إلى الألفة كأنها صك بقاء، وينسى أن القلوب -وإن عظمت- إذا أهملت ذبلت، وإذا ذبلت انكسرت، وإذا انكسرت تغيرت... وإذا تغيرت، لم تعدها الأعذار إلى ما كانت عليه.
كم من أخ كان سندا، فأضحى غريبا لا يطرق بابه؟ وكم من صديق كان وطنا، فصار ذكرى تتقى؟ وكم من زميل كان ظهيرا، فغدا اسما في سجل لا حرارة فيه؟ وكم من زوجين كانا مأوى بعضهما، فأمسى كل منهما غريبا في حضرة الآخر، يجتمعان تحت سقف واحد، ويفترقان في المعنى، يتقاسمان المكان ولا يتقاسمان الطمأنينة.
ذلك أن الإهمال لا يفرق بين رابطة وأخرى؛ هو سم واحد، يسري في كل علاقة على قدر ما تركت حقوقها، غير أنه في الزواج أفتك، لأنه يصيب موضع السكن من النفس. والأنكى أن الانسحاب لا يكون فجأة؛ إنما يسبقه صبر طويل، ومحاولات خفية، ورسائل صامتة كان يمكن أن تنقذ كل شيء، لو أن أحدا التفت. لكن الغفلة تغري بالتأجيل، والتأجيل يغري بالمزيد، حتى إذا جاء الصمت، ظن سكونا، وهو في الحقيقة إعلان انتهاء لا يحتاج إلى بيان. ثم يجيء الوعي متأخرا -كما هي عادته- فتقف على أطلال ما كان بينك وبين الناس، لا بينك وبين واحد بعينه. تدرك أنك لم تخسر علاقة واحدة، بل خيطا من الخيوط التي كانت تشدك إلى العالم، وأن ما ضاع لم يكن شخصا فحسب، بل معنى كان يسندك. إن العلاقات ليست مسميات تطلق، ولا عناوين ترفع، بل حقوق تؤدى، وأمانات تصان، ومقامات ترعى. من أدى، ثبت له ما له، ومن ضيع، لم يغن عنه ندم ولا تفسير.
ومع ذلك، فإن باب الإصلاح لا يغلق ما دامت الأنفاس تتردد، وما دامت القلوب لم تقفل أبوابها إقفالا تاما. لكن الإصلاح ليس لفظا يقال، بل تحول يرى، وعهد يستأنف، وحقوق تعاد إلى مواضعها بلا إبطاء. وفي علاقة الزوجين خصوصا، لا يكفي الاعتذار، بل لا بد من إعادة بناء السكن: كلمة تطمئن، واهتمام يجبر، وقرب يحيي ما أوشك أن يموت. فانتبه -أيا كانت صلتك بالآخر: زوجا، أخا، صديقا، زميلا- فالقانون واحد: ما لا تؤده اليوم، ستدفع ثمنه غدا، لا لمن تحب، بل لفراغ لا يجبر. ستقف يوما أمام أسماء كانت لك عالما، فتجدها قد صارت آثارا، وتسأل: كيف انطفأت؟ ويأتيك الجواب قاسيا: لأنك تركتها تنطفئ. تذكر -قبل أن لا ينفع التذكر- أن القلوب إذا أهملت خبت، وإذا خبت، لم تحيها كل معاذير الأرض. وأن بعض الفرص لا تعود، لا لأن الطرق أغلقت، بل لأن القلوب تعلمت أخيرا ألا تنتظر. فاختر موضعك قبل أن يختار لك:إما أن تكون وفاء يحيي، ويجمع، ويصون -وخاصة في بيتك حيث تبنى السكينة- أو تكون غفلة تفرق، وتهدر، وتميت.