د. طلال الحربي
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تُعيد فيها الشعوب اكتشاف ذاتها، لا من خلال الأزمات وحدها، بل من خلال الرؤى الجريئة التي تُولد من رحم الإرادة الصادقة والقيادة الحكيمة. وما شهدته المملكة العربية السعودية منذ إطلاق رؤية 2030 ليس مجرد مسيرة إصلاح اقتصادي، بل هو في جوهره العميق رحلة اكتشاف حضاري متجدد، أعادت للمملكة ثقتها بنفسها، وأعادت للعالم صورةً عنها لم يألفها ولم يتوقعها.
كان العالم يعرف المملكة العربية السعودية دولةَ نفطٍ بامتياز، يرى فيها مورداً لا شريكاً، ومصدراً لا فاعلاً. أما اليوم، وبعد مرور عقدٍ كامل على انطلاق هذه الرؤية المباركة بتوفيق الله وفضله، ثم بتوجيهات سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيَّده الله- فإن العالم بات ينظر إلى المملكة نظرةً مختلفة كلياً؛ يرى فيها اقتصاداً يتنافس في الذكاء الاصطناعي، ووجهةً سياحيةً يؤمها مئة وثلاثة وعشرون مليون زائر، وشاباً سعودياً يُدير مصنعاً أو يقود شركة ناشئة أو يتصدر منصات الإبداع والريادة.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن ترفاً في الخطط والبرامج. كان ثمرةً لحكمة ثاقبة ورؤية استشرافية حملها سمو الأمير الأمين، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- مستلهماً من والده الكريم المثابرةَ والحكمة وعمق الانتماء إلى هذا الوطن. فالقيادة الرشيدة لم تكتفِ برسم خارطة الطريق، بل آمنت بأن الإنسان السعودي هو العماد الأول والأخير لأي نهضة مستدامة.
وهنا يكمن الجوهر الحقيقي لما أنجزته رؤية 2030؛ إنها قبل أن تكون أرقاماً في الناتج المحلي أو مراتب في المؤشرات الدولية، كانت رهاناً صريحاً وجريئاً على الشباب السعودي والشابة السعودية. وقد أثمر هذا الرهان ثمراً يفوق التوقعات؛ فمن كانت نسبة مشاركتها في سوق العمل لا تتجاوز اثنين وعشرين في المئة باتت اليوم تُسهم بخمسة وثلاثين في المئة، ومن كان يُرى الشاب السعودي محدود الأفق الوظيفي، بات يدرس في أرقى مئتي جامعة في العالم، ويتصدر سوق العمل بكفاءةٍ لم تعد موضع شك أو جدل.
لقد أعادت الرؤية للمملكة وجهها الثقافي والحضاري الذي ظل طويلاً محجوباً عن العالم. فالعُلا التي صنّفتها المنظمة الدولية للوجهات السياحية أول وجهة معتمدة في الشرق الأوسط، والدرعية التي تجاوزت زياراتها ثلاثة ملايين ونصف الزيارة، وثمانية مواقع سعودية أُدرجت على قائمة التراث الإنساني لليونسكو؛ كل هذا لم يُخلق من العدم، بل كان كامناً في عمق هذه الأرض المباركة، وكان ينتظر من يُمسك بيده ويقول له: آنَ أوانك.
ولعل من أبلغ ما تكشفه الأرقام أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تخطى حاجز أربعة تريليونات وتسعمئة مليار ريال، وأن الأنشطة غير النفطية باتت تمثِّل أكثر من نصف الاقتصاد الوطني، وأن الاستثمار الأجنبي المباشر تضاعف خمس مرات ليبلغ مئة وثلاثة وثلاثين مليار ريال. هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن سياقها؛ فقد تحققت في ظل اضطرابات عالمية متتالية، وتقلبات أثَّرت على معظم اقتصادات الكوكب، بينما واصلت المملكة مسيرتها بمرونة واستباقية لافتتين لأهل الاختصاص والمراقبين الدوليين على حدٍّ سواء.
واليوم تدخل رؤية 2030 مرحلتها الثالثة الأخيرة، ممتدةً من عام ستة وعشرين حتى عام الثلاثين، وهي تحمل معها رصيداً ثقيلاً من المكتسبات وزخماً لا يهدأ من الإنجازات. تسعة وثمانون في المئة من مؤشرات الأداء حققت مستهدفاتها أو اقتربت منها، وتسعون في المئة من المبادرات تسير في مسارها الصحيح. وهي أرقام لا تعني الاطمئنان الساكن، بل تعني أن الوقت قد حان للتسارع لا التراجع، ولمضاعفة الجهد لا تقليصه.
والأهم من ذلك كله أن القيادة الرشيدة وجّهت صراحةً بأن عام الثلاثين ليس محطة نهائية تقف عندها جهود التنمية، بل هو بنيان تنموي تُشيَّد عليه أجيال من الإنجاز والريادة. وهذا ما يُميز هذه الرؤية عن غيرها من تجارب التحول الوطني في العالم؛ فهي لا تبني للحاضر وحده، بل تُعمّر للمستقبل البعيد، وتُؤسس لاستدامة تتجاوز عمر الخطط والبرامج.
خلاصة القول إن رؤية 2030 أهدتنا شيئاً لا تقدّره الأرقام مهما عظُمت؛ أهدتنا صورةً جديدة عن أنفسنا، وعن قدراتنا، وعن مكانتنا في العالم. وأيقنّا أن الشاب والشابة السعوديين، حين تُتاح لهم الفرصة الحقيقية، يُنافسون ويُبدعون ويتصدرون، تماماً كما علّمهم قادةٌ آمنوا بهم قبل أن تُؤمن بهم الأرقام.