أ.د.عثمان بن صالح العامر
كثيرون يظنون أن القضية الفلسطينية مجرد (خريطة تُختزل في حدود، دولة تُحاصرها الأحداث، صراع تُختصر فصوله في نشرات الأخبار، فلسطين بالنسبة لهؤلاء جغرافيا مثقلة بالتاريخ، أرض مقدسة يحتلها اليهود، جهاد ودماء وأشلاء) والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أنها هي كذلك وأكثر، فهي ليست أرضًا مسلوبة فحسب، بل حياة كاملة تُعاش على حافة الفقد.
لقد التقيت في رحلة خارجية سابقة بأخوة من فلسطين الحبيبة، يعيشون في بلاد الشتات. لم يتحدثوا في تلك الجلسة العابرة، عن السياسة، ولا عن القضية الفلسطينية داخل حدودها الجغرافية، ولم يكن ثمة شماعة يعلقون عليها ما هم فيه من حال، بل تحدثوا عن الإنسان الذي فيهم، عن يوم يبدأ بالقلق، وينتهي على أمل مؤجل، بل ربما لا وجود له أصلاً في قاموسهم. كانوا يروون حكاياتهم بصوت هادئ، لكنه مشحون بما يكفي من الألم ليكشف ما تخفيه الكلمات.
الفلسطيني في الغربة لا يعيش حياة واحدة، بل حياتين متوازيتين؛ الأولى هنا حيث الجسد يعمل ويتحرك، والثانية هناك حيث القلب معلَّق في أرض لم يعد الوصول إليها سهلاً، بل ربما صار مستحيلاً. يستيقظ على أخبار أهله، ويغفو على قلقهم. كل مكالمة هاتفية تأتي من هناك تحمل احتمال الفرح أو الحزن، وكل رسالة قد تكون مطمئنة أو صادمة. ومع كل قرار يصدر في البلد الذي يقطنه جبراً ترتجف فرائسه ويعتريه الخوف من قادم مجهول. ولعل أشد ما يثقل كاهله ليس فقط حنينه إلى وطنه، أهله، داره، مزرعته، سوقه، تجارته، بل مسؤوليته المركبة؛ فهو مطالب بأن يكون سندًا لعائلته في الداخل، وملاذًا لمن لجأ إليه حديثًا من أبناء وطنه. يتحول البيت الصغير في الغربة إلى وطن مؤقت يتسع للجميع، ويصبح الحلم الشخصي مؤجلاً أمام واجب لا يقبل التأجيل.
في حديثهم الذي جاء في لحظة صفاء مطلق وصدق عميق، لم يكن الألم مجرد كلمات، بل كان تفاصيل يومية: قلق على والد كبير أو حتى ولد صغير أو قريب أو صديق أو... مريض وليس ثمة دواء، أسير في السجون الإسرائيلية لا يمكن الوصول إليه، خوف على طفل يكبر في بيئة مضطربة، وحيرة في رسم مستقبل لأبناء يعيشون بين هويتين. لغتين، ثقافتين.. كيف يشرح الأب لابنه معنى الوطن، وهو نفسه محروم منه؟ كيف تُزرع الهوية في أرض لا تشبه الحكاية الأولى؟ وكيف له أن يتقبل هو ثقافة مناهضة للثقافة التي نشأ فيها فضلاً عن أن يغرس في فلذت كبده تلك الثقافة الجديدة التي لا تمت لجذوره بصلة.
إن الشتات ليس مجرد انتقال جغرافي، بل حالة نفسية ممتدة؛ توجب عليك أيها المغترب جبراً أن تحمل وطنك في داخلك، وتخشى عليه من كل خبر، تُلزمك أن تحاول بناء حياة مستقرة بينما جذورك تهتز في مكان آخر. تفرض عليك أن تضحك مع الآخرين وفي داخلك مساحة لا يراها أحد، ممتلئة بالحنين والقلق معًا. ومع ذلك، وسط هذا الثقل كله، يدهشك الفلسطيني بقدرته على الاستمرار. لا ينهزم بسهولة، ولا يسمح للغربة أن تسرق منه إنسانيته أو طموحه. تجد فيهم نماذج مضيئة صنعت من الألم دافعًا، ومن التحدي فرصة، ومن الوجع شفاء، ومع القادم تفاؤل وتوكل وعزاء.
لقد أكد لي ذلك اللقاء العابر أن القضية الفلسطينية ليست محصورة داخل حدود الأرض المحتلة، بل هي أوسع من ذلك بكثير، ممتدة حيث يوجد الفلسطيني، تقابلك في كل بلد وطئته قدم رجل شامخ من هناك، وتسكن كل قلب عاش يوماً بين شجر الزيتون واللوز، ولها في وجدان كل واحد منهم قصة لم تُروَ بعد.
إن أقل ما يمكن أن نقدمه لإخواننا الغرباء الذي يعيشون القضية صباح مساء هو أن نفهمهم، أن نسمع ما وراء الصمت، وأن ندرك أن الغربة بالنسبة للفلسطيني ليست مجرد مكان، بل اختبار يومي للصبر والانتماء، والبقاء واقفاً رغم الأعاصير التي تهب من كل حدب وصوب، ومن هذا الباب جاء المقال.
الفلسطيني في الغربة لا يطلب الكثير، فقط أن يبقى وطنه بخير، وأن يأتي يوماً لا يضطر فيه أن يشرح لأبنائه معنى أن تكون لك أرض ولا تستطيع الوصول إليها، يريد من العربي أن يعرف كيف يكون عربياً، ومن المسلم أن يتلبس معنى (الجسدية) التي أمرنا بها رسول البشرية عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يريدنا أن نعرف عظم نعمة أن يكون لك وطن، وأن نحافظ عليه بكل ما نملك، نفديه بأموالنا وأرواحنا وندافع عنه حتى آخر قطرة من دمائنا، هذا إذا الوطن مجرد أرض بحدود ولها عاصمة، فكيف إذا كان الوطن الذي نسكنه ويسكننا (المملكة العربية السعودية) بلد الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين في أي مكان هم، وعلى أي حال كانوا، حفظ الله لنا ديارنا ذخراً وفخراً، وأدام عزنا، ووحَّد صفنا خلف قيادتنا أدامها الله، وأعاد لنا قدسنا الشريف، وكان الله في عون كل مغترب يعيش قسراً في بلد الشتات، وإلى لقاء، والسلام.