غادة الوعلان
في إحدى الأمسيات الهادئة، حظيت بشرف حضور فعالية ثقافية نظمتها فعاليات مكتبة المك عبد العزيز العامة تحت عنوان: «ابتكار المهارات القرائية» وذلك تزامناً مع اليوم العالمي للإبداع والابتكار. وقد أثارت هذه الفعالية تساؤلا مهما ً: كيف يمكن للقراءة أن تتحول من نشاط تقليدي إلى مصدر حقيقي للإبداع؟
لم تعد القراءة في عصر المعرفة مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، والترفيه أو غير ذلك من الوسائل. خاصة مع تنوع قنواتها بين المرئي والمسموع والمقروء. بل أصبحت الحاجة ملحة لتطوير ما يمكن تسميته بـ«مهارات الابتكار القرائي» وهي قدرات تمكن القارئ من تحويل ما يقرأه ويطلع عليه إلى أفكار جديدة، ومشاريع قابلة للتطبيق، لينتقل من دور المتلقي إلى الإنتاج الفكري، وتؤتي القراءة ثمارها.
وعند التأمل في واقع القراءة وقضاياها، نجد أن النقاش غالبا يتركز حول ضعف الإقبال عليها. بينما الحقيقة تشير إلى حضورها المستمر في حياة الناس بأشكال متعددة. لذا فإن الإشكالية الحقيقية بحسب ما نراه ليست في سؤال «لماذا لا نقرأ؟» وإنما الإشكالية في «كيف نقرأ؟ « و»كيف ننتقل من القراءة السطحية إلى القراءة التحليلية؟»، فالقارئ المبتكر لا يكتفي بفهم النص، وإنما يسعى إلى تفكيكه، ومقارنة أفكاره، وربطها بسياقات مختلفة. هذه العملية الذهنية تفتح المجال لإنتاج رؤى جديدة تتجاوز حدود النص.
ومن أهم أدوات هذا النوع من القراءة طرح الأسئلة. فبدلاً من التسليم بالمحتوى، يتساءل القارئ: ماذا لو طبقت هذه الفكرة في مجال آخر؟ ما أوجه القصور فيها؟ كيف يمكن تطويرها؟ هذه التساؤلات تحفز التفكير النقدي وتدفعه نحو الابتكار.
كما أن التنوع في القراءة يلعب دورا محوريا، إذ أن الاطلاع على مجالات مختلفة كالأدب والعلوم والتقنية، والاقتصاد يثري الفكر، ويسهم في بناء شبكة معرفية واسعة، تمكن القارئ من استلهام أفكار جديدة عبر دمج مفاهيم متباعدة. وهي سمة بارزة للعقول المبدعة.
ولا تتوقف مهارات الابتكار القرائية عند حدود التفكير، بل تمتد إلى التطبيق. فالقارئ المبدع يسعى لترجمة أفكاره إلى مشاريع أو مبادرات مهما كانت صغيرة. ليجعل من القراءة أداة تغيير حقيقية تتجاوز حدود الصفحات إلى أرض الواقع. ومن هذا المنطلق يبرز دور المؤسسات التعليمية في المدارس بشكل خاص في تعزيز مهارات الابتكار القرائية. إذ إن من المهم إعادة القراءة المنهجيّة في المدارس، كما كانت تقدم سابقاً في مادة «المطالعة» فقد شكلت هذه المادة الدراسية في فترة من الفترات بنصوصها المتنوعة مساحة ثرية لتعزيز علاقة الطلاب بالكتاب بعيداً عن أساليب الحفظ، وأسهمت في تنمية خيالهم وقدرتهم على التعبير.
فيمكن أن تعود «المطالعة» اليوم بروح عصرية، تتجاوز القراءة التقليدية إلى أساليب تفاعلية تعتمد على النقاش، واختيار النصوص وتحليلها، وربطها بالواقع، إلى جانب تنفيذ مشاريع قرائية، وعروض تقديمية، وتطوير نوادي القراءة داخل البيئة المدرسية. مثل هذ الممارسات من شأنها أن تحول القراءة من مهمة دراسية إلى تجربة ملهمة وتؤسس لجيل قارئ ومفكر في آن واحد.
ويمكن أن يستفاد من التجربة السعودية في الحراك الثقافي المتسارع الداعم لرؤية 2023 حين جعلت القراءة بوابة التحول الثقافي وما قدمته المكتبات والمؤسسات الثقافية من دور محوري في تعزيز هذه المهارات من خلال تنظيم ورش عمل، وبرامج تدريبية، ومكتبات تفاعلية، ونوادي قراءة ومبادرات تشجع على القراءة الإبداعيّة. وتوفير بيئات محفزة للنقاش، وتبادل الأفكار، مما يدعو إلى إمكانية التكامل والاستفادة من مقدرات المؤسسات في المجتمع بكل اهتماماتها.
إن الاستثمار في مهارات القراءة المبتكرة هو استثمار في المستقبل؛ فالمجتمعات التي تقرأ بفهم وإدراك، وتفكر بعمق هي الأقدر على مواجهة التحديات، وصناعة الفرص. فالقراءة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء إنسان قادر على الإبداع وتنمية مجتمعه.
في النهاية تبقى القراءة المبتكرة رحلة مستمرة، تبدأ من الفضول، وتنمو بالمعرفة، وتزدهر بالإبداع. وهي مهارة متاحة لكل من يسعى إلى أن يخرج من كل قراءة بشيء جديد.