عبده الأسمري
في ظل نظرة سريعة على تاريخ «الصحافة السعودية» طوال عقود نجد أن معظم رؤساء التحرير إن لم يكن جميعهم قد نالوا «المنصب» من خلال تخصصات «غير إعلامية» وسط هيمنة «الخبرة» التي تتجلى كميدان تنافس حقيقي يتحد مع المزايا الذاتية من موهبة وشغف ودافعية وحس صحفي وإحساس مهني لتكتمل «المهنية» بدراً في سماء «التفوق»..
ويندرج المقام في براعة الكثير من «الصحافيين» داخل الأقسام الصحفية من سياسة واقتصاد ومحليات وثقافة ورياضة ومنوعات ورأي وكاريكاتير رغم أنهم من حاملي الشهادات الجامعية في تخصصات نظرية وحتى علمية بعيدة كل البعد عن الإعلام..
الأمر الذي يؤكد أهمية وجود الارتباط الذهني والمعرفي والعملي ما بين الصحافي وعمله في بلاط صاحبة الجلالة.
فيما يخص تخصص الإعلام فهو متشعب ومتشبع في مهماته واتجاهاته مع وجود «الخبرة» كحجر زاوية في صناعة المستقبل الإعلامي..
ولو نظرنا إلى مخرجات «الجامعات السعودية» لوجدنا أن العديد من الخريجين والخريجات يتخرجون سنوياً حاملين درجة البكالوريوس وهنالك من أكمل دراسته وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه ورغم ذلك لا يزال «المتخصص في الإعلام» خرج حسابات «المأمول» في ظل وجود هذا «القسم» في معظم الجامعات لدينا مما يثير التساؤلات حول المناهج وأمام التطبيق.
هنالك فجوة «كبيرة» ما بين مخرجات الجامعات ومتطلبات سوق العمل واتجاهات التطور الإعلامي الذي غاب كثيراً عن المناهج الجامعية والدليل وجود «خريجين» من الإعلام الرقمي ومتخصصين في أدق تفاصيل «التخصصات» من صحافة رقمية واتصال إستراتيجي وعلاقات عامة وصناعة محتوى ونشر إليكتروني ولكن ارتباطهم بالقطاع الإعلامي يكاد يكون منحصراً في مجالات محدودة رغم وجود «الطلب» واتجاه الكثير من الجهات للبحث عن أصحاب خبرات إعلامية أكثر من البحث عن حاملي الشهادات الجامعية.
لقد تفاجأت بوجود حاصلين على شهادات جامعية في الإعلام لا يزالون يبحثون عن عمل والتحاق الكثير من الخريجين بوظائف لا توازي تخصصاتهم ويظل سؤالي..
ماذا أعددت الجامعات من خطط إستراتيجية لدراسة «أبعاد المستقبل»؟ وهل هنالك «ضعف» في مناهجها أو تأخر في تطويرها أو فشل في تأهيل خريجيها أو ابتعاد عن «محيط» الابتكار؟
لقد دربت عدد من طلاب الإعلام سواء في مجال التدريب التطبيقي أو الدورات المهنية ووجدت أنهم يمتلكون «المعلومات» بشكل جيد ولكن التطبيق لديهم لا يتواءم مع متطلبات «المهنة» ولا يوازي أهمية التخصص وارتباطه بالتنمية ووجوده كشريك إستراتيجي لصناعة التميز مما أكد لي وجود «خلل» في آلية تأهيل الطالب الجامعي لسوق العمل وابتعاده عن «التدريب العملي» الذي يجب أن يكون وفق خطة منهجية بشكل جزئي فصلي على أن يكون ذلك في الجامعة ذاتها ومن خلال ورش عمل تطبيقية تضع الطلاب في اختبار حقيقي لتنمية مهاراتهم وتوظيف معلوماتهم.
هنالك اتجاه آخر من القضية يتمحور حول ضعف أداء بعض المتحدثين بأسماء الجامعات والمشرفين على وسائل التواصل فيها والمعنيين بتوفير بياناتها سواء الخاصة بالقرارات أو الأخرى المتخصصة بالتعقيب على شأن من الشؤون مع وجود «نقص» في الإمداد العلمي الاحترافي للطلاب أثناء الدراسة وضرورة تعليمهم العمل الإعلامي في كل محطاته ودرجاته وصولاً إلى التطبيق الواقعي للمناهج مع ضرورة أن يكون هنالك زيارات واتفاقيات وشراكات ما بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية لرفع مستوى تأهيل الطلاب والطالبات في هذا التخصص مع أهمية أن يكون هنالك تدريب جامعي يتدرج مع الطلاب دون أن يتم الزج بهم إلى مواقع حكومية من أجل إتمام متطلبات التخرج دون الاستفادة من المزج المفترض ما بين المنهج والتدريب.
يمتد الأمر إلى منحنى آخر وهو استعانة بعض الهيئات والشركات بحاملي شهادات من جامعات «خارجية» بعيدة عن الإعلام ليكون حاملها مديراً للاتصال أو مسؤولًا إعلامياً مع وجود المئات من المتخصصين اللذين ينتظرون إتاحة الفرصة للعمل في تخصصهم.
على الجامعات السعودية أن تعيد «النظر» في الخطط الدراسية الخاصة بكليات الإعلام وأن ترصد واقع الخريجين والخريجات من خلال «الرصد الإحصائي» لأعداد الموظفين منهم والآخرين من الباحثين عن عمل والنوع الأخير الذي استسلم وعمل في قطاعات مختلفة لم يوظف فيها نتائج مادة دراسية واحدة تلقاها في الجامعة مع ضرورة اختيار متحدتيها بشكل «دقيق» ودمج طلابها في العمل الإعلامي داخل أسوارها لحصد ثمار «التطبيق المستمر» الذي يربط الطالب بالتخصص ويوجهه نحو المستقبل.