عبدالرحمن الحضري
في أروقة مهرجان الإعلام العربي في العاصمة الأردنية عمّان قبل سنوات، لم يكن الأمر مجرد تظاهرة إعلامية عابرة، بل كان بانوراما عربية حيّة تضج بالحياة. الطاولات المستديرة جمعت أطياف الوطن العربي الكبير بأزياء تباينت بتباين الجغرافيا، وكأن ثمة «ميثاقاً غير مكتوب» قد أبرمه الحاضرون؛ أن يطلّ كلٌ بهويته الوطنية، فبرزنا نحن أبناء المملكة والخليج وسط هذا المزيج اللوني بوقارنا المعهود، الذي يختصر بساطة الانتماء وعمق الاعتزاز بثيابنا وأشمغتنا.
على طاولتنا.. كانت تجلس إحدى «فاتنات الشاشة» تلك التي تأخذ الألباب بجمالها وحضورها الطاغي، فتوزعت نظرات الحاضرين إليها ما بين إعجاب، وما بين نسمات من الغيرة النسائية التي لا تخطئها عين الإعلامي الحصيف.
وبينما كنا في غمرة حديث المجاملات المعتاد في لقاءات كهذه، أقبل من بعيد رجل مترف الأناقة، يتهادى ببدلة رسمية صُممت بعناية فائقة، وربطة عنق تشي بذوق رفيع وميزانية باهظة. اتجهت الأنظار صوبه، تلاحق تفاصيل هندامه وهالة الفخامة التي تحيط به وهو يبحث عن مقعد شاغر وسط الزحام.
كان اكتمال المظهر مبهرًا إلى الحد الذي جعل الجميع ينصت لصمت أناقته، حتى استقر به المقام وجلس.. وهنا فقط، تنبّه الحاضرون لـ«صلعته» اللامعة، التي بدا وكأنها أربكت هيبة القوام وأحدثت شرخًا في لوحة الكمال.
في تلك اللحظة، قطعت الفاتنة صمت الإعجاب، وهمست بنبرة لبنانية عفوية، مغلفة بتعاطفٍ ممزوج بالدلال، قائلة: «يا ضيـعان الشياكة.. البَني آدم مهما كان مَلْو هدومو بس أصلع.. بيبقى ناقصو شيء»!
انفجرنا بالضحك من الأعماق؛ لم يكن ضحكًا من الرجل، بل من تلك الفلسفة الفطرية التي لخصتها الجميلة في لحظة صدق. ففي عالم الأضواء، حيث يلهث الجميع خلف بلوغ الكمال، تأتي تفصيلة بسيطة لتعيد ترتيب المشهد وتذكرنا بآدميتنا الناقصة. فالكمال لله وحده.
لكننا، وفي غمرة الضحك، كنا نتبادل نظرات خفية «متضامنة» تحت أشمغتنا، فبينما كان ذلك الأنيق يواجه مصيره بـ»صلعة» مكشوفة أمام رادارات نقد الجميلات، كنا نحن نخبئ تحت وقار «المرزام» و«تنسيفة» الشماغ صلعاتنا العظيمة، التي لا تقل شأنًا ولا لمعانًا!
لقد أنقذنا «الزي الوطني» من حكم الفاتنة القاسي، وستر عنا ما كشفته البدلة الإفرنجية لصاحبنا، لنكتشف في تلك اللحظة أن الشماغ ليس مجرد رمز للهوية أو إرث للأجداد فحسب، بل هو غطاء دبلوماسي فاخر.