د. سطام بن عبدالله آل سعد
في كل مرة يُعقد فيها مؤتمر أو ورشة عمل عن الصحافة، يتكرر السؤال نفسه بصيغ متعددة: كيف نطوّر الصحف، ونواكب التحول الرقمي، ونزيد مصادر الدخل، ونحافظ على المهنة؟ تبدو هذه الأسئلة مهمة في ظاهرها، لكنها غالبًا تدور حول أطراف الأزمة، وتترك جوهرها بلا مواجهة حقيقية.
كنت أتأمل هذا المشهد، فوجدت أن الأزمة الأخطر لا تكمن في التمويل، ولا في التقنية، ولا في التشريعات؛ فهذه كلها تحديات يمكن التعامل معها بدرجات مختلفة من النجاح، غير أن ما يستحق الوقوف عنده حقًا هو أزمة أكثر صمتًا وخطورة: غياب «الطلب الحقيقي على الصحافة» كقيمة يومية لدى القارئ.
في الماضي، كان القارئ يفتح الصحيفة ليعرف ما حدث، وكانت الجريدة تدخل البيت كجزء من إيقاع اليوم؛ تحمل الخبر والرأي والتحليل، وتمنحه شعورًا بأنه متصل بالعالم. فقد كانت الصحافة بوابة المعلومة، ومنها يعبر إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع والرياضة .. ثم تغيّر كل شيء.
صار الخبر يصل قبل الصحفي، والتحليل يأتي من المؤثر، والرأي يتشكل داخل المنصات، فلم يعد القارئ ينتظر صحيفة تخبره بما يجري؛ إذ أصبحت المعلومة تطارده في هاتفه، وتظهر أمامه قبل أن يسأل عنها. من هنا بدأت الصحافة تخسر عادة الانتظار التي كانت تربط الناس بها كل صباح.
الأخطر من ذلك أن القارئ نفسه تغيّر؛ فلم يعد يبحث دائمًا عن الحقيقة بوصفها قيمة مستقلة، بقدر ما صار يبحث عما يوافق قناعاته، ويريحه، ويمنحه تفسيرًا سريعًا للعالم. ومع هذا التحول، بدأت العلاقة القديمة بين الصحافة والقارئ تتفكك بهدوء، بعد أن كانت علاقة تقوم على الثقة والحاجة والانتظار. لذلك يبدو الحديث عن تطوير المحتوى، أو تحسين المواقع، أو تنويع مصادر الدخل حديثًا ناقصًا ما لم يبدأ من جوهر الأزمة؛ فتحسين المنتج لا يكفي حين يتراجع الطلب عليه، لأن المشكلة لا تقع في الصحيفة وحدها، وإنما في سوق تغيّر، وعلاقة فقدت شيئًا من معناها القديم.
من هنا يبدأ التحدي الحقيقي؛ أن تتوقف الصحافة عن مطاردة الخبر، وتعيد تعريف نفسها بوصفها صانعة معنى. فالقارئ لا يحتاج معلومة إضافية وسط هذا الفائض المربك، بل يحتاج من يربط الأحداث، ويفسر الاتجاهات، ويكشف ما وراء الخبر. لذلك ستبقى الصحافة التي تمنحه معنى، أما التي تكرر ما يعرفه، فستذوب في زحام منصات أخرى.
لذا أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر المؤتمرات وورش العمل والندوات هو: كيف نجعل غياب الصحافة خسارة يشعر بها القارئ؟ فحين نستطيع الإجابة عن هذا السؤال، تبدأ الصحافة في استعادة سبب وجودها، وحين يغيب الجواب، تظل الحلول تتحرك حول الشكل، بينما يبقى الجوهر بعيدًا عن المعالجة.