د. طلال الحربي
لمن عاش عقدين من الزمن في خضم السوق العقاري السعودي، ورأى بأم عينيه كيف كانت الصفقات تُبرم على الكلام المعسول، والعقارات تُباع بعقود مضللة ، والمشترون يكتشفون بعد فوات الأوان أن ما دفعوا فيه أموالهم ليس ما وصفه لهم الوسيط، فإن ما تحقق على يد الهيئة العامة للعقار في سنوات قليلة يمثل نقلة نوعية لا يستطيع أن يقدّرها حق قدرها إلا من عاش الزمنين وقارن بينهما.
أتذكر قبل سنوات أن أحد المستثمرين المتوسطين في الرياض باع قطعة أرض اشتراها بمدخرات عمره كاملة، ليكتشف بعد ثلاث سنوات أن الأرض ذاتها مُسجَّلة باسم شخصين مختلفين، وأن التاريخ الذي تعود إليه حيازته يسبق حيازة الطرف الآخر، لكنه أمضى سنتين في متاهة الإثبات والتوثيق. كان هذا سمة زمن بات يرحل. إذ يُعدّ التسجيل العيني للعقارات الركيزة التأسيسية التي أُسِّست عليها الهيئة، وهو مشروع لا يعني مجرد توثيق آلي للملكية، بل يعني إعادة بناء قاعدة الثقة في سوق بلغت قيمته المئات من مليارات الريالات وبات أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
الهيئة العامة للعقار لم تُنشأ لتكون جهة بيروقراطية، بل جاءت استجابةً لحاجة هيكلية حقيقية. السوق العقاري السعودي كان ينمو بسرعة تفوق ضوابطه، والاستثمار الأجنبي يطرق الأبواب في حين كانت البيئة التنظيمية لا تزال تتطور وتحتاج إلى تلك الحزمة من الأنظمة واللوائح والمعايير التي تمنح المستثمر الطمأنينة. من هنا تحمّلت الهيئة مهام واسعة تتوزع بين التشريع والترخيص والإشراف والرقابة، وهو مزيج نادرًا ما تحمله جهة تنظيمية واحدة بهذا القدر من التكامل.
ولعل من أبرز ما حققته الهيئة ميدانيًا هو ضبط المنظومة الإعلانية العقارية. كان السوق مليئًا بإعلانات مضللة، ومواصفات مبالغ فيها، ووسطاء بلا ترخيص يتعاملون بمنطق المنفعة الفردية دون أي مسؤولية قانونية. اليوم، ومنذ أن شرعت الهيئة في إنفاذ أعمال الترخيص والمتابعة، بات الوسيط العقاري ملزمًا بشروط مهنية واضحة، والإعلان العقاري مقيدًا بمعايير دقة لا يملك أحد أن يتجاوزها دون تبعات. وقد وثّقت الهيئة مئات المخالفات في هذا الشأن، وأوقفت ممارسات مضرة كانت تُبلبل السوق وتربك ثقة المستهلك. و ما يضفي على عمل الهيئة أهمية استراتيجية بالغة هو موقعها في خريطة رؤية المملكة 2030. فالرؤية وضعت القطاع العقاري ضمن أولويات التنويع الاقتصادي، وجعلت من تملك المواطن لمسكنه هدفًا وطنيًا تجاوز نسبة السبعين بالمئة، وهو ما يستلزم بيئة عقارية تتسم بالشفافية والكفاءة والتنظيم الحكيم.
ووزير البلديات والإسكان الأستاذ ماجد الحقيل، رئيس مجلس إدارة الهيئة، يمثّل الجسر الطبيعي بين السياسة الإسكانية الكبرى وأدواتها التنظيمية على الأرض، إذ يُدار المجلس بتوجيهات تنسجم مع مسار متكامل يمزج بين التخطيط العمراني وتطوير السوق العقاري.
أما على مستوى القيادة التنفيذية، فإن المهندس عبدالله سعود الحماد وفريق الهيئة يديرون منظومة متحركة في بيئة تتغير بسرعة، حيث لا يكفي وضع الأنظمة بل لا بد من مواكبة السوق بمؤشرات آنية تكشف اختلالاته قبل أن تتفاقم. ومن هذا المنطلق أولت الهيئة عناية خاصة برصد مؤشرات القطاع وتحليلها، مدركةً أن الاستقرار العقاري ليس وضعًا يُحقَّق مرة واحدة بل معادلة متجددة تستوجب يقظة مستمرة.
وفي سياق الاقتصاد الكلي، تشير الدراسات إلى أن انعدام الشفافية في الأسواق العقارية يرفع تكاليف المعاملات ويُثبط الاستثمار المباشر، في حين أن السوق المنظم يُولّد ثقةً تنعكس على سرعة دوران رأس المال وتراكم الثروة الوطنية. ما تصنعه الهيئة إذن ليس مجرد ضبط إداري، بل هو بناء ممنهج لأرضية الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد.
لقد مضى زمن كان فيه الإيهام ميزة لبعض اللاعبين في السوق. السوق العقاري السعودي اليوم يسير نحو معادلة مختلفة: شفافية أعلى، ومنافسة أعدل، وحماية أوسع للمستهلك والمستثمر على حد سواء. والهيئة العامة للعقار هي من يرسم خطوط هذه المعادلة بيد راسخة.