غادة الوعلان
لم تكن طفولة الأمس تعرف الأجهزة اللوحيّة ولا الشاشات المتوهجة ومع ذلك - أو ربما بسبب ذلك - نشأ الأطفال وهم يمتلكون قدرة لافتة على التعبير، وحصيلة لغوية ثرية، وخيالاً واسعاً.
أما اليوم فقد تغير المشهد؛ إذ أصبح الطفل محاطاً بعالم رقمي سريع، لكنه في كثير من الأحيان أفقر لغوياً، وأضعف تعبيراً. والبعض يغلب عليه الصمت.
فما الذي تغير؟ وهل يمكن أن نستعيد بعضا من ذلك الثراء القديم في زمن الشاشات؟
تشير الأدبيات التربوية واللغوية إلى أن اكتساب اللغة لدى الطفل لا يتم بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه، بل يتشكل عبر تفاعل معقد بين المدخلات اللغوية اليومية، ونوعية الخبرات، وأنماط التواصل مع المحيط. وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل ملحّ حول التحولات التي طرأت على البيئة اللغوية للأطفال في العقود الأخيرة، ومدى انعكاسها على مستوى الكفاءة التعبيرية والثروة اللفظية لديهم.
لقد نشأ أطفال الأجيال السابقة في بيئات محدودة الوسائط، لكنها غنية بالتفاعل اللغوي المباشر. كانت اللغة حاضرة بوصفها أداة أساسية للفهم والتواصل، حيث يمارس الطفل الحوار في سياقات متعددة: داخل الأسرة، وفي الحي، وفي المواقف اليومية المختلفة. هذا التعرض المستمر والمتنوع للغة، ضمن سياقات طبيعية غير مصطنعة، أسهم في ترسيخ المفردات والتراكيب، وتعزيز القدرة على التعبير الشفهي بشكل تلقائي. فإن هذا النمط من التفاعل يُعد بيئة مثالية لاكتساب اللغة؛ إذ تتكرر المفردات ضمن سياقات دلالية مختلفة، ما يدعم بناء المعنى وتثبيته في الذاكرة طويلة المدى. كما أن المشاركة الفعلية في الحوار، وليس مجرد الاستماع، تُمكّن الطفل من تطوير مهارات الإنتاج اللغوي، وليس فقط الفهم.
وتُعد القصة الشفوية أحد أبرز مكونات تلك البيئة اللغوية. فالسرد الذي يقدّمه الكبار للطفل، بما يحمله من تنويع لغوي وإيقاع صوتي وتراكيب غنية، يساهم في توسيع الحصيلة المعجمية وتنمية الخيال. كما أن إعادة الطفل لسرد القصة تمثل ممارسة تطبيقية للغة، تعزز من مهارات التنظيم اللغوي والتسلسل المنطقي للأفكار. إلى جانب ذلك، لعبت أنماط اللعب التخيلي دورًا محوريًا في بناء الكفاءة اللغوية. فالألعاب القائمة على تقمّص الأدوار تتطلب استخدام اللغة في التفاوض، ووصف المواقف، وإدارة الحوار. إن هذا النوع من اللعب يرتبط إيجابيًا بتطور المهارات اللغوية العليا، بما في ذلك الطلاقة اللفظية والقدرة على بناء الجمل المعقدة.
في المقابل، يشهد الواقع المعاصر تحولًا جذريًا في طبيعة المدخلات التي يتعرض لها الطفل. فقد أصبحت الوسائط الرقمية المصدر الأساسي للترفيه والمعرفة، وهي وسائط تتسم - في كثير من الأحيان- بطابع أحادي الاتجاه، حيث يكون الطفل متلقيًا للمحتوى أكثر من كونه مشاركًا فيه. ورغم ما توفره هذه الوسائط من ثراء بصري ومعرفي، إلا أن الاعتماد المفرط عليها قد يحدّ من فرص التفاعل اللغوي المباشر.
من الناحية اللغوية، يؤدي هذا التحول إلى تقليص عدد المواقف التي يُطلب فيها من الطفل إنتاج اللغة، ما قد ينعكس على محدودية الممارسة الفعلية للمهارات التعبيرية. كما أن طبيعة المحتوى الرقمي، التي تميل إلى السرعة والاختصار، قد لا تتيح مساحة كافية لمعالجة لغوية عميقة أو لاكتساب تراكيب معقدة.
وتدعم بعض الدراسات الحديثة هذا التوجه، حيث تشير إلى وجود علاقة بين زيادة وقت التعرض للشاشات لدى الأطفال في المراحل المبكرة، وبين تأخر نسبي في بعض مؤشرات النمو اللغوي، خاصة في جانب التعبير الشفهي. ويُعزى ذلك إلى انخفاض جودة وكمية التفاعل اللغوي مع الكبار، وهو العامل الذي يُعد من أهم محددات اكتساب اللغة. غير أن هذا الطرح لا يستهدف إدانة التكنولوجيا بقدر ما يدعو إلى إعادة النظر في كيفية توظيفها ضمن بيئة متوازنة. فالتقنيات الحديثة يمكن أن تكون داعمًا للنمو اللغوي إذا ما استُخدمت بشكل تفاعلي، يدمج بين المشاهدة والحوار، وبين المحتوى الرقمي والتجربة الواقعية.
وعليه، فإن استعادة الثراء اللفظي لا تتطلب العودة إلى أنماط الحياة السابقة، بل تستدعي إعادة بناء البيئة اللغوية للطفل وفق مجموعة من الممارسات المدعومة علميًا، من أبرزها:
تعزيز الحوار اليومي بين الطفل والراشدين، من خلال طرح الأسئلة المفتوحة وتشجيع الطفل على التعبير.
إحياء السرد الشفوي إلى جانب القراءة، لما له من أثر في تنمية الخيال والمهارات اللغوية.
تشجيع اللعب التخيلي الذي يتضمن استخدام اللغة في سياقات متعددة.
توفير مدخلات لغوية غنية ومتنوعة في الحياة اليومية، عبر الوصف والتسمية وتوسيع المفردات.
في الختام، يمكن القول إن الفارق بين أطفال الأمس وأطفال اليوم لا يكمن في القدرات العقلية، بل في طبيعة البيئة اللغوية التي يتعرضون لها. فاللغة، بوصفها نظامًا حيًا، تنمو في سياق التفاعل، وتزدهر بالممارسة، وتتراجع في غيابها.
ومن ثم، فإن الاستثمار في تنمية اللغة لدى الطفل هو استثمار في قدرته على التفكير، والتعلم، والتواصل، وهي مهارات أساسية لا غنى عنها في عالم سريع التغير.