وائل العتيبي - جدة:
تُعدّ الإعلامية والناقدة الفنية سهى الوعل واحدة من الأسماء البارزة في المشهد الإعلامي السعودي الحديث، إذ جمعت بين الخبرة الصحفية والرؤية النقدية المتعمقة في قراءة التحولات التي يشهدها القطاع الفني والسينمائي في المملكة. عُرفت الوعل بحضورها المهني في تغطية المهرجانات والفعاليات السينمائية، وبطرحها النقدي الذي يميل إلى الدقة والموضوعية بعيدًا عن المجاملة، ما جعلها صوتًا لافتًا في مسارٍ يتشكّل فيه الوعي السينمائي المحلي.
في هذا الحوار، تفتح سهى الوعل رؤيتها حول تطور الإعلام الفني، وتحوّلات السينما السعودية، وحدود العلاقة بين النقد والإبداع، في لحظة ثقافية تعيد رسم ملامح المشهد الفني برمّته.
* إلى أي مدى يؤثر ذوقكِ الشخصي في أحكامكِ النقدية؟
- من الصعب فصل الذوق الشخصي تمامًا عن النقد، لأنه جزء من تجربة المشاهدة. لكنني أحرص دائمًا على ألا يتحوّل إلى تحيّز.
أحاول أن أكون حيادية، وأفكر في هدف رأيي: هل يخدم العمل ويضيف للصناعة؟ إذا كانت الإجابة نعم أستمر، وإذا لا أتوقف وأراجع نفسي. وطبعًا هذا أمر تعلمته مع الوقت، ففي البداية لم أكن بهذا النضج وهذه الحيادية.
* ما الذي يميز الناقد الحقيقي في زمن تتسارع فيه الآراء وتختلط فيه المهنية بالانطباعية؟
- برأيي، ما يميز الناقد الحقيقي هو قدرته على كسب احترام الطرفين: أهل الصناعة والجمهور، وهذا نادر جدًا.
اليوم هناك الكثير من الأصوات، لكن القليل فقط من يُؤخذ برأيه داخل الصناعة، وفي الوقت نفسه ينتظره الجمهور ويثق بتأثيره. ليس المطلوب أن يتفق معه الجميع، بل أن يكون صوته مهنيًا ويحظى بالتقدير من مختلف الأطراف.
* ما أبرز التحديات التي تواجه الناقدة المرأة في الوسط الثقافي والإعلامي؟
- بصراحة، لا أرى فرقًا جوهريًا بين الناقدة والناقد من حيث التحديات المهنية. لكن ربما الملاحظة الأبرز هي أن دعم النساء لبعضهن في هذا المجال لا يزال أقل مقارنة بدعم الرجال لبعضهم.
ورغم ذلك، توجد علاقات مهنية جميلة بين عدد من الناقدات، وهذا مهم جدًا لأننا بحاجة إلى تعزيز هذا الدعم المتبادل. أما من ناحية التحديات الأخرى، فلا أرى أنها مختلفة أو خاصة بالمرأة.
* هل تميلين إلى النقد الصارم أم النقد الذي يمنح العمل فرصة للتطور؟ وأين تقفين بين الحزم والإنصاف؟
- لا أرى نفسي ناقدة صارمة أو متحيّزة، بل أسعى للتوازن بين الحزم والإنصاف. في بداياتي كنت أكثر حدّة، لكن مع الوقت وفهمي الأعمق للصناعة وأهلها أصبحت أكثر وعيًا وحيادية.
اليوم أميل إلى نقد واضح ومباشر، بلغة بسيطة، يهدف إلى الإضافة ومنح العمل فرصة للتطور دون تعقيد أو مبالغة.
* ما العمل الفني أو الأدبي الذي غيّر نظرتكِ للنقد أو أعاد تعريفه بالنسبة لكِ؟
- بصراحة، لا أستطيع ربط تحوّلي في فهم النقد بعمل فني أو أدبي واحد، بقدر ما كان نتيجة تجربة تراكمية وعلاقات أثرت فيّ بشكل عميق.
الاحتكاك بأساتذة وزملاء في المجال، والنقاش معهم ومشاركتهم التجربة، أعاد تشكيل رؤيتي، وأعتقد أن هذا أمر يحدث مع الجميع.
هذه العلاقات والنقاشات والتجارب جعلتني أرى النقد بشكل أبسط وأكثر وضوحًا. الفكرة التي كنت سابقًا أستغرق وقتًا طويلًا في صياغتها أصبحت اليوم أصل إليها وأعبّر عنها بسرعة وسلاسة. كما أدركت أن النقد لا يقتصر على مهارة الكتابة فقط، بل هو أيضًا شخصية، وكاريزما، وطريقة حضور.
بالتالي، ما أعاد تعريف النقد بالنسبة لي لم يكن عملًا بعينه، بل التجربة الإنسانية والمهنية.
* هل مررتِ بتجربة نقدية أثارت جدلًا واسعًا؟ وكيف تعاملتِ مع ردود الفعل؟
- مررت بالعديد من التجارب النقدية التي أثارت جدلًا واسعًا، خاصة في بداياتي. في ذلك الوقت، لم يكن معتادًا أن يكتب الشباب عن النجوم بهذا الوضوح وهذه الجرأة، كان كبار الكتاب فقط والمعروفون من يفعلون ذلك، وهو ما أدى أحيانًا إلى صدامات مع بعض الأسماء الكبيرة في الوسط.
أما في طريقة تعاملي مع ردود الفعل، فكنت دائمًا اختار الصمت. منذ البداية، طالما وضعت كل ما أريد قوله داخل المقال أو في ظهوري الإعلامي، فالمفترض أن أترك حق الرد للطرف الآخر واحترم رد فعل الجمهور حتى وإن كان مبالغًا به. لم أكن أدخل في ردود أو سجالات لأن هذا ليس الهدف أصلًا.
* كيف يمكن للإعلامي أن يوازن بين إرضاء الجمهور والحفاظ على مصداقيته المهنية؟
- التوازن يبدأ من وعي الإعلامي بأنه في حالة تطور مستمر، وأنه لا يجب أن يبقى في المكان نفسه. من المهم أن يتعلم ويتدرّب وينضج مع الوقت، حتى يقنع جمهوره بأنه يتطور معهم، لا أن يكتفي بمخاطبتهم فقط.
في البدايات قد يشارك الإعلامي في المواضيع الرائجة ليكون حاضرًا في المشهد، لكن مع الوقت عليه أن يكون أكثر انتقائية، فلا يكتب عن كل شيء ولا يلاحق كل حدث.
الحفاظ على المصداقية يتطلب أيضًا قدرًا من التجرّد من الرأي الشخصي، والنظر للأعمال بموضوعية. بهذا الشكل يمكنه أن يكسب ثقة الجمهور، لا فقط إرضاءه، وهي الأهم.
* ما النصيحة التي تقدمينها لجيل جديد يرغب في دخول مجال النقد والإعلام؟
- إذا كان دخولك لهذا المجال بدافع الاقتراب من الوسط الفني أو لقاء المشاهير أو مجرد التواجد تحت الأضواء، فغالبًا ستكون تجربة قصيرة؛ تعيش لحظتها، تلتقط بعض الصور، ثم تنتهي.
لكن إذا دخلت هذا المجال وأنت ترى نفسك جزءًا من منظومة أكبر تسهم في تطويرها والارتقاء بها، فهنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
من المهم أيضًا أن تدرك أن هذا المجال يحتاج إلى صبر وتراكم خبرة، وأن تبني صوتك الخاص بعيدًا عن التقليد أو ملاحقة الترند فقط. في البداية قد تكتب عن كل ما هو رائج لتثبت حضورك، لكن مع الوقت عليك أن تكون أكثر وعيًا وانتقائية، وأن تكتب لأن لديك ما تضيفه، لا لمجرد أن تكون حاضرًا.
* من أبرز النقاد في الساحة السعودية اليوم؟
- الساحة اليوم مليئة بالأسماء المميزة، وكل ناقد له حضوره وتجربته الخاصة. لكن على المستوى الشخصي، استمتع كثيرًا بالقراءة لكل من أحمد العياد وإيمان الخطاف.
* هل بعض النقاد يكتبون لإرضاء المهرجانات والجهات الإنتاجية؟
- نعم، ولكنه ليس أمرًا جديدًا، بل ظاهرة معروفة في مختلف أنحاء العالم منذ زمن.
ورغم ذلك، أراها في جانب ما ظاهرة «صحية»، لأنها تدفعك طوال الوقت لبذل جهد أكبر لحماية ساحتك والساحة من حولك أيضًا، فتحرّكك وتطوّرك بشكل إيجابي.
وفي النهاية، يبقى الجمهور والوسط قادرين على التمييز بين الصوت المهني الصادق، وبين ما يُكتب بدوافع أخرى.
* وصفكِ الناقد خالد ربيع بأنكِ «ناقدة خفيفة ولطيفة، تصلين إلى جوهر الأمر دون لف ولا دوران». إلى أي مدى تجدين هذا الوصف منصفًا لتجربتكِ النقدية؟
- بدايةً، أوجه للأستاذ خالد ربيع كل التقدير، فهو بالنسبة لي ليس مجرد ناقد، بل داعم حقيقي لكل من يعمل في هذا المجال. دعمه لا يقتصر على الصحفيين فقط، بل يمتد لكل العاملين في الوسط الفني، وهو شخص نادر في حضوره الإنساني قبل المهني، وكان له أثر كبير في تطوري وتجربتي. هو وجه الخير فعلًا على كل شخص يعرفه، ليست مجاملة بل حقيقة.
أما عن الوصف، فأنا فعلًا سعيت لأكون كذلك. كنت دائمًا أميل للكتابة المباشرة التي تدخل في صلب الموضوع دون تعقيد. أراجع مقالاتي أكثر من مرة، أتجنب التكرار، وأحرص على أن تكون لغتي بسيطة وقريبة من القارئ.
لا أحب أن أُقرأ بطريقة متكلّفة أو معقّدة، بل أفضّل أن تصل الفكرة بسلاسة ووضوح. لذلك هذا الوصف يعني لي الكثير، لأنه يعكس شيئًا اشتغلت عليه وطوّرته مع الوقت، وما زلت أسعى أن أكون أبسط وأوضح مع كل تجربة جديدة.