خالد محمد الدوس
قال الله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} (27-30) سورة الفجر.
في فجر يوم الجمعة الموافق 22-10-1447هـ، فارقت الحياة امرأة كانت كالغيمة المباركة، تمر على القلوب فترويها بالحب والعطاء، ثم ترحل تاركة أثرًا لا يُمحى.
إنها المرأة الصالحة (أم ماجد)، منيرة جعفر الجريسي، التي رحلت عن هذه الدنيا الفانية تاركة فراغًا كبيرًا في قلوب كل من عرفها، تغمدها الله بواسع رحمته.
رحلت وهي التي كانت مثالًا نادرًا للبِر والحنان، كان قلبها الكبير لا يسع الناس فقط، بل كان يسع كل مخلوق ضعيف أو مسكين. كانت تؤثر غيرها على نفسها، تحب العطاء حبًا يفوق حبها لنفسها، لا تهدأ حتى تمد يد العون لكل محتاج.
في ظلام الليل، حين يخلد الناس إلى فراشهم، كانت المرأة الصالحة (أم ماجد) تقوم لربها رغم تعبها ومرضها، ترفع يديها بالدعاء والخشوع، تذرف الدموع بين يدي الرحمن، في مشهد يثلج الصدر ويبكي العيون.
مرضها لم يكن يومًا حائلًا بينها وبين طاعة الله، بل كان دافعًا لها للمزيد من القرب من خالقها كما يروي لي أبنها البار الأخ ماجد الجريسي.
كانت من رواد دور تحفيظ القرآن الكريم، شغوفة بكتاب الله تتلوه وتتدبره وتعمل به. وعندما منعها المرض من الخروج إلى حلقات التحفيظ، لم تستسلم، بل استأجرت من يقرأ القرآن في بيتها لتسمعه، إصرارًا منها على ألا يفوتها خير كتاب الله تعالى.
إن الحديث عن الصبر على البلاء والمرض يقودنا مباشرة إلى ذكرى (أم ماجد).
كانت مثالًا يحتذى به في الصبر والاحتساب. مكثت في العناية المركزة، ونسبة وعيها قليلة جدًا، بالكاد تستطيع التكلم أو تطلب ما تحتاج، لكنها كانت تطلب «العافور» (التيمم) بالإشارة، لتصلي صلاتها بعينها وقلبها. يا لها من روح عظيمة لا يلهيها المرض عن فرض ربها!
كانت -رحمها الله تعالى- زاهدة.. عابدة في الدنيا، لا تبالي بزينتها ومتاعها، تهتم بأسرتها ومن حولها أكثر مّما تهتم بنفسها. كانت حريصة أشد الحرص على تنشئة أبنائها وأحفادها التنشئة الإيمانية والنفسية والاجتماعية والأخلاقية والقيمية السوّية وتأصيل قيم التربية في وجدانهم، كما يقول أحد أبنائها.
كانت تفرّح الأحفاد والأطفال دومًا، تبتسم في وجوههم، تداعبهم، تنمي ثقتهم بأنفسهم، تزرع فيهم حب الخير والبر والإحسان. كانت -رحمها الله تعالى- نموذجًا في صلة الرحم، تحافظ على علاقاتها العائلية وتعتز بها.
وحين سمعت بخبر وفاة زوجها الشيخ خالد بن محمد الجريسي -رحمه الله تعالى- كانت مثالاً للصبر والثبات والإيمان بالقضاء والقدر، وهي تردد -كما يقول أبنها الأخ ماجد- {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}، وتكثر من قول (الحمد الله رب العالمين على قضائه وقدره).
كانت المرأة الصالحة (أم ماجد)، تخصص جزءا من مالها وتجعل منه نصيبًا للفقراء والمحتاجين في شراء السلال الغذائية في شهر رمضان المبارك وغيره.
لم تكن تدخر المال لنفسها بل كانت تخرج زكاة مالها وتصدقاتها بسرية وإخلاص، لا تعرف يدها اليمنى ما تنفق يدها اليسرى.
طيبتها المتناهية، وقلبها الحنون، وحسن التعامل والأخلاق كانت سبباً في إسلام (ثلاث عاملات أجنبيات) على يديها..!، فكانت سببًا في هدايتهن ودخولهن في دين الله.
هذا أكبر شهادة لحسن خلقها ودعوتها بالقدوة والحكمة. لم تكن تحتاج إلى خطب طويلة أو وعظ متكلف، كان قلبها النقي النابض بالحب لله كافيًا لأن يجذب القلوب إلى الإسلام.
يذكر لي النسيب الغالي ابنها البار (فهد الجريسي) إن والدته -رحمها الله تعالى - كانت تحسن المعاملة مع الخادمة التي كانت تعمل في بيتها، كانت لا تأكل أكلها قبل أن تعطي العاملة منه، وكأنها أمها وليست خادمة..! هذا هو التواضع الحقيقي، هذا هو الكرم والأخلاق النبيلة. كانت تأكل وتطعم، تخدم رغم حاجتها للخدمة، تعطي من قوتها لغيرها حتى لو كانت هي أولى به.
كانت تتمنى كفالة يتيم، لكن خوفها من التقصير تجاهه منعها من ذلك.
من منا يخاف من التقصير في عمل الخير..؟
هذه هي عظمتها، كانت تخشى ألا توّفي اليتيم حقه، مع أننا نعلم يقينًا أنها لو كفلته لأحسنَت إليه وأحسنت تربيته.
رحلت المرأة الصالحة (أم ماجد) عن دنيانا لكن سيرتها العطرة ستبقى خالدة في قلوب أحبابها وأبنائها، وستبقى قصصها تُروى جيلاً بعد جيل. كانت حقًا «مثل الغيمة إن ما فادت ما ضرت»، بل هي كانت غيمة فادت وأنبتت خيرًا كثيرًا في قلوب كل من عرفها.
اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها ووسع مدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقها من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلها دارًا خيرًا من دارها.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.